قد تبدأ الإدارة بالمبالغة لجذب المستثمر، ثم تجد نفسها مضطرة إلى الاستمرار فيها لحماية التقييم الذي صنعته تلك المبالغة.
أعادت قصة تطبيق التسوق Phia هذا السؤال إلى الواجهة. فالتطبيق يستخدم الذكاء الاصطناعي لمقارنة الأسعار والعثور على الخصومات، ويحقق جزءًا من إيراداته من العمولات المرتبطة بعمليات الشراء.
لكن اختبارات أظهرت أن بعض عمليات الشراء كانت تُنسب إلى التطبيق، رغم أن المستخدم لم يصل إلى المتجر عن طريقه أو يعتمد عليه في اتخاذ قرار الشراء. فقد يدخل المستخدم إلى المتجر من تلقاء نفسه، ويختار المنتج ثم يتجه إلى الدفع، بينما تضع إضافة Phia رمز الإحالة الخاص بها في الخلفية، ليظهر التطبيق وكأنه أسهم في إتمام العملية.
وبذلك كان من الممكن أن تُنسب إلى التطبيق مبيعات لم يصنعها فعليًا، وربما يحصل بناءً عليها على عمولة. وقالت الشركة إن ما حدث نتج عن خلل تقني في احتساب الإحالات لدى جزء من المستخدمين، وإنها أصلحته بعد اكتشافه. لذلك لا تكفي الواقعة وحدها للقول إن المؤسسين تعمدوا تضليل المستثمرين.
لكن القصة تفتح سؤالًا أكبر من التطبيق نفسه، ماذا يحدث عندما تُبنى قيمة الشركة على أرقام لا تُبرز القيمة التي صنعتها فعلا؟
ولا تقتصر المشكلة على التطبيقات أو الشركات الناشئة. فقد تواجهها شركة مدرجة تحاول حماية سعر سهمها، أو شركة خاصة تبحث عن تقييم أعلى. وكلما ابتعدت النتائج عن التوقعات، زاد الضغط على الإدارة للحفاظ على الصورة التي قدمتها للمستثمرين.
ولا تبدأ المبالغة دائمًا بتزوير واضح للأرقام، بل قد تأتي في صورة قرارات تبدو محدودة، مثل اختيار مؤشر يعرض الأداء بصورة أفضل، أو تسجيل الإيرادات مبكرًا، أو تأجيل بعض المصروفات. لكن هذه القرارات ترفع توقعات المستثمرين، وتضع الإدارة تحت ضغط أكبر لتحقيقها في الفترات التالية.
وتقدم شركة Luckin Coffee مثالًا واضحًا على ذلك. تأسست الشركة في الصين، وقدمت نفسها باعتبارها منافسًا سريع النمو للعلامات الكبرى في سوق القهوة. ومع ارتفاع أرقام المبيعات، أصبحت قصتها أكثر جاذبية للمستثمرين.
وخلال عامي 2019 و2020، قالت هيئة الأوراق المالية الأمريكية: إن الشركة اختلقت مبيعات تجزئة تجاوزت 300 مليون دولار، لتظهر إيراداتها ونموها وربحيتها بصورة أفضل من واقعها. وخلال الفترة نفسها، جمعت أكثر من 864 مليون دولار من مستثمري الأسهم والديون.
الأرقام لم تحسن صورة النتائج فقط، بل ساعدت الشركة على إقناع المستثمرين بضخ مزيد من الأموال. وعندما انكشفت الممارسات، وافقت Luckin في 2020 على دفع غرامة قدرها 180 مليون دولار لتسوية القضية، دون الإقرار أو النفي بالاتهامات.
الدافع في مثل هذه الحالات لا يقتصر على جمع استثمار جديد. قد ترفع الإدارة سقف النمو للحصول على التمويل أو زيادة تقييم الشركة، ثم تجد نفسها مطالبة بإثبات القصة نفسها في كل إعلان نتائج أو جولة استثمارية جديدة.
وعندما يتباطأ الأداء، لا يعود الاعتراف بالتراجع مجرد إعلان عن نتائج ضعيفة. فقد يهدد سعر السهم، ويضعف ثقة المقرضين، ويؤثر في مكافآت الإدارة والتقييم الذي حصلت عليه الشركة سابقًا.
ومع الوقت، تتحول المبالغة من وسيلة لجذب المستثمر إلى وسيلة لحماية التقييم الذي أسهمت في صنعه. وكلما استمرت الشركة في تقديم صورة أفضل من واقعها، ارتفعت تكلفة الاعتراف بالحقيقة، حتى تنشغل الإدارة بالدفاع عن الرواية بدلًا من معالجة الخلل داخل الشركة.
من الطبيعي أن تكون الإدارة متفائلة بمستقبل شركتها، وأن تضع أهدافًا طموحة للنمو. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول التوقعات من هدف تسعى الشركة إلى تحقيقه إلى قصة لا تستطيع التراجع عنها، حتى عندما تتوقف النتائج عن دعمها. لذلك لا يكفي أن ينظر المستثمر إلى حجم الإيرادات أو معدل النمو، بل عليه أن يفهم كيف تحققت هذه الأرقام، وهل تُظهر نشاطًا حقيقيًا قابلًا للاستمرار أم مجرد صورة أفضل عن الشركة.
قد تستطيع الشركة حماية قصتها لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع جعل الرواية بديلًا دائمًا عن الأداء. وأخطر مرحلة تصل إليها هي عندما يصبح سقوط القصة في نظر الإدارة أكثر خطورة من استمرار الخلل نفسه.
كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال
