الأربعاء, 4 نوفمبر 2026|23 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية


آندي موخرجي

الذكاء الاصطناعي حلل أكثر من 600 ألف مكالمة أرباح ليكشف الرابحين والخاسرين من الحروب التجارية والتكنولوجية

  • رسوم ترمب رفعت تكاليف شركات أمريكية ودفعت منتجين أجانب إلى نقل مصانعهم إلى فيتنام والمكسيك
  • قيود واشنطن أشعلت سباقاً صينياً لتطوير بدائل محلية مع زيادة الإنفاق على البحث والتطوير وصناعة الرقائق

الخلاصة

في 2024، أعلنت شركة "إيه إس إم إل هولدينغ" الهولندية قيود تصدير معدات الطباعة الحجرية المتطورة إلى الصين، ما يقلص مبيعاتها 10-15%. دراسة بحثية استخدمت الذكاء الاصطناعي لتحليل تأثير الضغوط الجيوسياسية في الشركات، وكشفت أن القيود الأمريكية أضرت الشركات الأمريكية وأدت إلى زيادة الإنفاق الصيني على البحث والتطوير وتوطين التقنيات..

انطلقت من هولندا مطلع  2024 رصاصة أشعلت شرارة مواجهة جديدة في حرب التكنولوجيا بين الولايات المتحدة والصين. خلال مكالمة لمناقشة النتائج المالية في يناير من ذلك العام، قال مسؤولون تنفيذيون في "إيه إس إم إل هولدينغ" (ASML Holding)، عملاقة معدات الطباعة الحجرية الهولندية التي تشغل موقعاً محورياً في سلسلة توريد أشباه الموصلات العالمية: "لا نتوقع الحصول على تراخيص لتصدير أنظمة الطباعة بالغمر الأكثر تطوراً لدينا، من طراز (NXT:2000) وما فوق، إلى الصين خلال 2024". وحذرت الشركة من أن هذه القيود التي جاءت بعد سنوات من الضغوط الأمريكية، ستقلص مبيعات معداتها الأساسية إلى الصين بنسبة تراوح بين 10% و15%.

الذكاء الاصطناعي يرصد كلفة الصراع الجيوسياسي

في نظر المستثمرين حول العالم، كانت واشنطن تستعرض عضلاتها لكبح تقدّم منافس رئيسي في سباق الذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع صعود هذه التكنولوجيا لتصبح التقنية الأساسية التي ترسم ملامح عصرنا. لكن إعلان "إيه إس إم إل" طرح أسئلة أكثر مما قدّم من إجابات، فماذا يعني تحذير كهذا للمحافظ الاستثمارية؟ ومن سيتحمل الكلفة ومن سيحصد الأرباح: الولايات المتحدة التي صاغت القيود، أم الصين المستهدفة بها؟ وكيف تتغير معادلة المخاطر والعوائد للشركات العالقة في مرمى نيران هذه المواجهة حول العالم؟

تقدم ورقة بحثية بعنوان "الضغوط الجيواقتصادية" (Geoeconomic Pressure) بعض الإجابات التي يبحث عنها المستثمرون. وأعدّ الدراسة كريستوفر كلايتون، أستاذ التمويل في "كلية ييل للإدارة"، بالتعاون مع عدد من الاقتصاديين.

استخدم الباحثون نماذج لغوية كبيرة مفتوحة المصدر تعمل على أنظمة الحوسبة في "جامعة ستانفورد" لتحليل أكثر من 600 ألف مكالمة لإعلان نتائج الشركات على مدى عقدين، شملت 22 ألف شركة مدرجة حول العالم، بما فيها شركات صينية.

وكانت الخوارزمية تبحث عن علاقة سببية فعلية، فلا تكتفي برصد ما إذا كان الرؤساء التنفيذيون يذكرون بؤر التوتر، بل تتحقق ما إذا كانت إجراءات الإكراه التي تمارسها الدول قد أجبرتهم فعلياً على تغيير الأسعار، أو تحويل الاستثمارات، أو إعادة رسم سلاسل التوريد.

الذكاء الاصطناعي يقرأ ما بين سطور الشركات

هذا مهم لأن البحث التقليدي بالكلمات المفتاحية كثيراً ما يفشل في التقاط السياق. وحتى الأدوات الإحصائية المتطورة التي تتعامل مع النص باعتباره مجرد مجموعة من الكلمات قد تخفق، فتوقف اعتيادي لأغراض الصيانة، مثلاً، قد يُصنَّف على أنه اضطراب في أعمال الشركة ويُعزى إلى إجراء جمركي. أما النموذج اللغوي المدرّب مسبقاً، فيفهم المقصود من الجملة ويستبعد مثل هذه التصنيفات الخاطئة.

تنجح النماذج اللغوية بالقدر نفسه في التقاط ما قد تغفله الأدوات التقليدية. فالمسؤولون التنفيذيون في الشركات معروفون بتحفظهم في المكالمات العامة، وغالباً ما يتجنبون الخوض في تداعيات القرارات الحكومية، خصوصاً عندما تصدر عن القادة السياسيين الذين يؤيدونهم. ولتجاوز هذا التحفظ، طبّق الباحثون النماذج نفسها على تقارير محللي الأسهم. وأظهرت النتائج أن قراءة الذكاء الاصطناعي لإفصاحات كبار المسؤولين التنفيذيين جاءت متوافقة إلى حد شبه تام مع التقييمات المستقلة للمحللين.

من خلال التقاط ما يفضّل قادة الشركات التقليل من شأنه، نجح الذكاء الاصطناعي في رسم صورة أكثر دقة للمكاسب والخسائر. ففي الولايات المتحدة، عانت الشركات الخاضعة لقيود واشنطن من تراجع المبيعات وتقلص هوامش الأرباح. أما على الضفة الأخرى من المحيط الهادئ، فكان وقع الصدمة أشبه بحقنة أدرينالين. ففي نحو 40% من مكالمات إعلان نتائج الشركات الصينية التي رصدت قيوداً على الصادرات، تحدثت الإدارات عن زيادة الإنفاق على البحث والتطوير.

من يربح حقاً من العقوبات والرسوم؟

من بين المكالمات التي أشارت إلى ارتفاع الإنفاق، اندرج ثلثاها ضمن فئة أطلق عليها الذكاء الاصطناعي اسم "توطين التقنيات الأساسية"، وهي فئة تشير إلى ضخ الأموال في معدات محلية لصناعة الرقائق سعياً إلى التحرر من قبضة القيود الأمريكية. واللافت أن الخوارزمية لم تكتفِ بفرز النصوص ضمن فئات محددة مسبقاً، بل ابتكرت أسماء الفئات بنفسها.

وكشفت صدمات جيوسياسية أخرى عن مفارقات مشابهة. فبعدما فرض الغرب عقوبات على روسيا إثر حربها على أوكرانيا في 2022، تكبدت الشركات الأوروبية والأميركية خسائر ناجمة عن تخفيض القيمة الدفترية للأصول ومصادرة أصول أخرى، إلى جانب ارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية. في المقابل، كان المستفيد الأكبر أطرافاً غير منحازة في الصين والهند، إذ سارعت إلى ملء الفراغ الذي خلّفه انحسار المنافسة الغربية واقتناص خام الأورال بخصومات كبيرة.

ولم تسر هجمة دونالد ترمب الجمركية في 2025 وفق ما أراد. فالمصدّرون الأجانب لم "يتحملوا" كلفة الرسوم كما توقع الرئيس الأمريكي. وفي نحو ثلاثة أرباع الحالات التي كشفت فيها إدارات الشركات عن تأثير للرسوم، كان الأثر سلبياً. ومن بين الشركات التي أفادت بتضررها مباشرة، عزت نحو 60% منها ذلك إلى ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج.

أما الشركات المحلية القليلة التي استفادت، فكانت تلك المحصّنة من الاعتماد على سلاسل التوريد الأجنبية. فلم تتحمل التكاليف الإضافية التي أثقلت كاهل منافسيها المعتمدين على الواردات، ما أتاح لها رفع أسعارها. في المقابل، لم يلجأ المنتجون الأجانب إلى خفض أسعار صادراتهم لامتصاص الضغوط، وإنما نقلوا مصانعهم إلى فيتنام والمكسيك.

سواء كان السلاح رسوماً جمركية أو عقوبات أو حظراً على الرقائق، نادراً ما تكون أدوات الضغط الاقتصادي عملية جراحية دقيقة. ففي أغلب الأحيان، تأتي أقرب إلى قصف عشوائي واسع النطاق يخلّف أضراراً جانبية واسعة.

وهنا تكمن فرصة المستثمرين: رصد التداعيات غير المقصودة قبل أن تنعكس في الأسعار. وقد تمنحهم الآلات القادرة على قراءة ما يدور في أحاديث الشركات أفضلية تتيح لهم الرهان على التحولات الجيوسياسية قبل أن يفطن باقي السوق إلى تداعياتها.

كاتب عمود في بلومبرغ ويغطي الشركات الصناعية والخدمات المالية. كاتب عمود في رويترز بريكنج فيوز سابقا. وقد عمل أيضًا في Straits Times وET NOW وBloomberg News.

خاص "الشرق بلومبرغ"

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية