الثلاثاء, 15 سبتمبر 2026|2 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية


فراس البيروتي

تجاوزت الطموحات الحضرية للمملكة العربية السعودية منذ وقت طويل مرحلة التخطيط. فمن تصورات المدن الجديدة إلى الأحياء السكنية الحديثة، ومراكز التنقل، والفضاءات العامة في الرياض وجدة والمنطقة الشرقية، تعمل المملكة على بناء بيئات حضرية تُصمَّم، منذ الأساس، حول البيانات والأتمتة والبنية التحتية المترابطة. وتحتل تكنولوجيا الفيديو الذكية موقعاً محورياً في هذه الجهود، إذ تعمل بمنزلة شبكة استشعار تساعد المدن على فهم ما يجري داخلها والاستجابة له في الوقت الفعلي.


من الكاميرات الثابتة إلى البنية التحتية الإدراكية

لسنوات طويلة، عوملت أنظمة الفيديو باعتبارها تكلفة أمنية تُضاف عادةً بعد اكتمال تصميم المبنى أو الحي. أما اليوم، فأصبحت منظومات الفيديو وأجهزة الاستشعار والتحليلات جزءاً من منظومة البنية التحتية التي يجري تحديد متطلباتها منذ مراحل التصميم، إلى جانب الطرق وشبكات الطاقة والاتصالات. وهذا التحول يستدعي أساليب جديدة في التخطيط، بما يتيح الاستفادة الكاملة من أوجه التكامل والفرص الجديدة التي تتيحها هذه المنظومات.

وهذا تحول إيجابي بكل المقاييس، لكنه يرفع في الوقت نفسه سقف المتطلبات بدرجة كبيرة. فشبكة كاميرات تُركَّب على مبنى مكتمل لا تحتاج إلا إلى تغطية ما هو قائم بالفعل. أما منصة للكاميرات والتحليلات تُدمج في تصميم حيّ سكني منذ اليوم الأول، فعليها أن تتنبأ بكيفية استخدام هذا الحي بعد 5 أو 10 سنوات، وأن تكون قابلة للتوسع من دون الحاجة إلى إعادة بناء المنظومة بالكامل مع إطلاق كل مرحلة جديدة.

الحجم يغيّر طبيعة التحدي الهندسي

إن مشاريع مثل مشروع "ذا لاين" في نيوم ومشروع البحر الأحمر ليست مجرد نسخ أكبر من مدينة تقليدية. فتغطية مدينة خطية تمتد عبر الصحراء، أو مشروع ساحلي يتوزع على عشرات الجزر، تمثل تحدياً هندسياً مختلفاً جذرياً عن تأمين منطقة وسط مدينة أو مطار.

لن يكون بوسع غرف التحكم التي تعتمد على موظفين يراقبون صفوفاً من الشاشات إدارة تضاريس بهذا الحجم بكفاءة واقعية. والنموذج العملي الوحيد هو نموذج تتولى فيه التحليلات المهمة الأولى في تفسير الأحداث، بينما يتدخل المشغلون البشريون عندما تستدعي الحالة تقييماً أو قراراً بشرياً دقيقاً.

وهذا التحول نحو التشغيل المدفوع بالتحليلات هو تحديداً المجال الذي يشهد الجزء الأكبر من الابتكار الحقيقي. فقد أصبحت تقنيات اكتشاف السلوكيات، وتحليل كثافة الحشود، والرصد الآلي للحوادث والإبلاغ عنها، من المتطلبات الأساسية لأي منظومة تُطرح لخدمة أحد المشاريع العملاقة. أما المورّدون الذين ما زالوا يقدمون الكاميرات بوصفها أدوات للتسجيل أولاً، وأدوات للذكاء والتحليل ثانياً، فلم يعودوا يواكبون المتطلبات الفعلية لهذه النوعية من المشاريع.

التنقل والأماكن العامة: الاختبار الحقيقي

تُعد ممرات النقل والأماكن العامة هي الساحة التي تُختبر فيها إستراتيجية الفيديو على نحو أكثر وضوحاً. فنظام مترو ينقل أعداداً كبيرة من الركاب عبر محطات صُممت لخدمة عدد سكاني آخذ في النمو يحتاج إلى منظومة مراقبة تدعم إدارة تدفق المسافرين والاستجابة السريعة للحوادث.

وتواجه الساحات والواجهات البحرية في الأحياء الجديدة اختباراً مماثلاً خلال فترات الذروة، ولا سيما في المدن التي تستقبل أعداداً كبيرة من الزوار موسمياً، مثل مكة المكرمة والمدينة المنورة، حيث تمثل سلامة الحشود اعتباراً تخطيطياً على مدار العام.

ومن واقع تجربتي، تتضح هنا بجلاء الفجوة بين نظام يبدو جيداً في العرض التقديمي، ونظام قادر فعلاً على الأداء في الظروف التشغيلية الحقيقية. فالتحليلات التي تحقق نتائج جيدة في بيئة مختبرية لا تحافظ بالضرورة على مستوى الأداء نفسه في بيئات مكتظة، ومرتفعة الحرارة، وشديدة الوهج، وعلى نطاق واسع. ولا تظهر هذه الفجوة بوضوح إلا عندما يمتلئ الحي بالسكان ويدخل مرحلة التشغيل الفعلي.

والجهات التي ستحقق النجاح في هذا السوق لن تكون بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر عدد من طرازات الكاميرات في قوائم منتجاتها. بل ستكون تلك التي تمتلك فهماً عميقاً للتخطيط الحضري يؤهلها لتصميم منظومات تنمو مع نمو الحي، وتستطيع إثبات قدرة تحليلاتها على الحفاظ على أدائها خارج نطاق العروض التجريبية المنضبطة، ولا تتعامل مع هذه المنظومات باعتبارها بنداً نهائياً في قائمة المتطلبات، بل مدخلاً أساسياً في عملية التصميم منذ البداية.

لن يتحدد مستقبل الجيل المقبل من المدن السعودية الذكية بعدد الكاميرات التي تنشرها، وإنما بمدى كفاءتها في تحويل البيانات المرئية إلى ذكاء تشغيلي قابل للتنفيذ. ومع انتقال المشاريع العملاقة من مرحلة الإنشاء إلى التشغيل، تتطور تكنولوجيا الفيديو الذكية من مجرد أداة أمنية إلى مكوّن حيوي في الجهاز العصبي الرقمي للمدينة.

وستكون المدن الأكثر نجاحاً هي تلك القادرة على تحويل البيانات إلى إجراءات ملموسة، بما يفضي إلى بيئات حضرية أكثر أماناً وكفاءة وقدرة على الصمود. وفي صميم هذا التحول، ستؤدي تكنولوجيا الفيديو الذكية دوراً محورياً.

المدير الإقليمي لشركة "مايلستون سيستمز" في السعودية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية