أحمد الشهري
لم تكن الحرب الأمريكية-الإيرانية السبب المباشر لاضطراب الاقتصاد العالمي، بقدر ما كانت اختباراً كشف عن هشاشة نظام التجارة الدولية. فما بدا أزمة طاقة في ظاهرها، كشف في جوهره عن اختلال هيكلي تراكم على مدى 3 عقود، حين أصبحت الكفاءة الاقتصادية المعيار الحاكم للعولمة على حساب المرونة.
قامت العولمة الحديثة على فرضية بسيطة، إنتاج السلع حيث تكون التكلفة أقل، ونقلها بأسرع الطرق، وتقليص المخزون إلى الحد الأدنى، نجح هذا النموذج في خفض تكاليف الإنتاج واحتواء التضخم لعقود، لكنه أنتج في المقابل اعتماداً متزايداً على عدد محدود من المراكز الإنتاجية والممرات البحرية والشركات الكبرى، فأصبح الاقتصاد العالمي أكثر ترابطاً، وأكثر هشاشة في الوقت نفسه.
عندما تعرضت منطقة الخليج العربي لاضطرابات عسكرية، لم ترتفع أسعار النفط وحدها، بل ارتفعت معها تكاليف الشحن والتأمين والنقل، وأُعيد تسعير المخاطر في الأسواق العالمية خلال أيام قليلة.
لم يكن ذلك نتيجة نقص في السلع، بل نتيجة ارتفاع تكلفة الوصول إليها، وهذه هي السمة الأساسية للاختلال الهيكلي، انتقال الصدمة بسرعة تفوق قدرة سلاسل الإمداد على التكيف.
توضح الأرقام حجم الاعتماد، يمر عبر مضيق هرمز ما بين 20 و21 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل 20-25% من تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً، وفي الوقت نفسه، تتركز الصناعات الإستراتيجية مثل أشباه الموصلات والمعادن الحرجة والمكونات الدوائية في عدد محدد من الدول، بينما تسيطر شركات قليلة على حلقات رئيسية من سلاسل القيمة العالمية، وكلما ارتفع هذا التركز، ازدادت حساسية الاقتصاد العالمي لأي اضطراب جيوسياسي أو لوجستي.
ولذلك، لا ينبغي تفسير ما حدث في 2026 بوصفه أزمة طاقة فحسب، بل باعتباره اختباراً لقدرة النظام التجاري العالمي على الصمود، فقد خفض البنك الدولي توقعات النمو العالمي إلى 2.5%، وهو أضعف معدل منذ جائحة كوفيد-19، أما صندوق النقد الدولي فقد قدر النمو عند 3.1% في سيناريو أساسي، مع تحذيره من أن استمرار الاضطرابات قد يدفع النمو إلى مستويات أدنى.
تكمن المفارقة في أن النظام المصمم لتعظيم الكفاءة أصبح يولد مخاطر نظامية متزايدة، فكلما ازداد تركز الإنتاج في مواقع أقل، وتراجعت البدائل، تحولت الصدمات المحلية إلى أزمات عالمية، ولم يعد التضخم في كثير من الحالات نتاج ارتفاع الطلب، بل انعكاسا لاختناقات العرض التي يغذيها التركز الجغرافي والإنتاجي أكثر مما تغذيها العوامل الاقتصادية التقليدية.
ومن هنا، لم يعد التحدي الجوهري أمام الحكومات والشركات زيادة حجم التجارة، بل إعادة توزيع المخاطر داخلها، فتنويع سلاسل الإمداد، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتقليل الاعتماد على الممرات الحيوية، وتعزيز المنافسة في القطاعات الإستراتيجية، أصبحت متطلبات أساسية للاستقرار الاقتصادي، لا مجرد خيارات لتحسين الكفاءة.
لقد أثبتت أزمة 2026 أن العالم لا يعاني نقصا في التجارة، بل يعاني اختلالا في هيكلها، وإذا كانت العولمة قد نجحت في تعظيم الكفاءة خلال العقود الماضية، فإن نجاحها في العقد المقبل سيُقاس بقدرتها على الجمع بين الكفاءة والمرونة، لا بالتضحية بإحداهما في سبيل الأخرى.
اقتصادي في السياسات الاقتصادية وإدارة إستراتيجيات الأعمال والشراكات الإستراتيجية.
