دانية أركوبي
سعر مناسب، جودة مقبولة، خيارات متنوعة، هذا ما تسميه الأسواق بالمنافسة الحرة . بفضل العولمة وصلت التنافسية لمستويات غير مسبوقة، فسلاسل الإمداد باتت متكاملة، ولا تجد الشركات حرج في نقل المعرفة والتكنولوجيا لوجهات جديدة، ورأس المال يتدفق بأريحية بين الأسواق، والسلع والخدمات تنساب بسهولة للمستهلكين. هذا الوضع أوجد ما يشبه التكامل الاقتصادي، فرفع التنافس، وعزز الاستثمار والإنتاج، ووفر التكاليف وسيطر على الأسعار.
ضعف مصفوفة التنافسية ضحيته الأولى هو المستهلك. قد أصبح يتحمل ثمن اضطرابات وعدم يقين الأوضاع العالمية، مثل النزاعات الجيوسياسية، وتقييد الاستثمار، وفوضى الشحن، وتعطل صالات الإنتاج، واضطرابات سلاسل التوريد. هذا كله يترجم إلى أسعار أعلى، تآكل في القدرة الشرائية، ضعف في الاستهلاك وزيادة في التقلبات. ومن ثم يظهر على الاقتصاد في صورة قاتمة، على هيئة انكماش، تآكل الإيرادات، وإنهاك أسواق العمل.
واليوم تبدو البوصلة وكأنها فُقدت. فلغة التكامل تندثر وسط تصاعد تيارات الانعزالية، وقيود التجارة وحركة رأس المال صارت قرارات سيادية. وسلاسل التوريد الحيوية باتت أدوات ضغط ونفوذ تستخدم لتحقيق أهداف غير اقتصادية، وأصبح الابتكار والمعرفة حكرا على من يمتلكه. هذه العوامل تصيب التنافسية بجروح مؤلمة، فشركة أوروبية كانت تبنى مصفوفة إنتاجها على سلسة موردين من آسيا، وجدت نفسها بين ليلة وضحاها في مأزق لإيجاد بديل بتكلفة أعلى، والمنافسة مع شركات تتحكم في حلقة توريد كاملة وتتمتع بدعم حكومي، وهنا يختل الميزان.
هذا الوضع لا يوجد فيه رابح، فقد تظن الأطراف المتحكمة في سلاسل توريد أو لديها فوائض إنتاج أن بإضعاف منافسيها ستتمكن من الاستحواذ على حصة سوقية أكبر، فهي ترتكب خطأ إستراتيجيا. فقد تحقق مكاسب على المدى القصير، ولكنه سيتحول إلى آفة في المستقبل، من ناحية ستلجأ الدول المتضررة لإجراءات مضادة مثل الرسوم، ما يعني خسائر قواعد استهلاكية في أسواق عديدة.
على جانب آخر سيفقد الاقتصاد تدفقات استثمارية خارجية، مع ارتفاع نزعة الاحتكار والإضرار بالمنافسة، بجانب فقدان بوصلة التكامل مع شركاء دوليين في مجالات مثل البحث والتطوير ونقل المعرفة والمواهب وغيرها.
حل المعضلة يكمن في الإدراك أن التنافسية والتكامل هما وحدهما القادران على قيادة العالم لتجاوز كبوته الحالية. فالحمائية التجارية لن تحقق الاستقلال الصناعي والاكتفاء الإنتاجي، وتصدير القدرة الإنتاجية وإغراق الأسواق بسلع رخيصة مدعومة حكومياً، لن يحقق السيادة وفوائض الثروة، بل سيوجد حالة من الغضب لدى الدول المستهدفة. بالتالي فالحل يكمن في مراعاة الاتفاقيات المنظمة للتجارة الدولية القائمة على احترام قواعد المنافسة وضمان حرية التجارة، وتجنب الإجراءات التعسفية.
يستكمل الحل بضمان حرية تدفق السلع، فالممرات المائية الإستراتيجية لا بد أن تكون بمعزل عن الخلافات الجيوسياسية. حيث توجد صدمات وتشوهات في هياكل الأسعار، وصدمات في تكلفة السلع من الطاقة إلى الغذاء ومستلزمات الإنتاج والمواد الخام. يكون ذلك عن طريق قرارات دولية ملزمة للأطراف المشاطئة للممرات البحرية باحترام حرية الملاحة، وتوفير الضمانات للسفن للعبور بسلام وطمائنينة.
وتقف السعودية في نقطة تموضع إستراتيجية لاستغلال الفرصة. فقدراتها المتشعبة من موقع جغرافي متميز، وعلاقات دولية متوازنة، وسلاسل إمداد مستقرة للطاقة، وقوة شبابية طموحة، وبنية تحتية متقدمة، ورؤية اقتصادية تعطي الأولوية للقطاعات ذات القيمة المضافة، وإصلاحات تنظيمية وسوقية تسهل الاستثمار وتوفر الحوافز والضمانات، وقدرات تمويلية ضخمة. تلك القدرات تحتاج إلى إطار تنظيمي فعال وتحركات سريعة محسوبة وشراكات مثمرة مع الحكومات والشركات العالمية بهدف التحول إلى مركز للتنافسية في الإقليم.
ختاماً بعد عقود من تكامل وتنافس عزز من قوة الاقتصاد ومرونته على امتصاص الصدمات. نتجه اليوم إلى مسار معقد ومشوه، تتآكل فيه التنافسية لمصلحة رغبات السيطرة والاستحواذ، وتتعطل داخله المصانع وتتجمد رؤوس الأموال، وبينهم يضعف الفرد بصفته مستهلكا وعاملا.
واليوم نحن في حاجة إلى رغبة دولية تدرك خطورة الوضع وتعيد التفكير في حلول قائمة على المصالح المشتركة والمنفعة العامة، حلول واقعية تجنب الاقتصاد صدمات تكلفة علاجها تفوق قدراته.
مستشارة اقتصادية
