د. نوف البلوي
قد يبدو أن إلزام الشركات في أوروبا بتقارير الاستدامة هو قرار حديث، لكن النظر عن قرب يكشف أن هذا التحول لم يحدث فجأة، بل جاء نتيجة مسار طويل امتد لأكثر من 20 عامًا. فالقانون هنا لم يخلق الواقع، بل جاء لينظم ما كان يتشكل تدريجيًا داخل السوق.
في أواخر التسعينيات، بدأت الشركات تتبنى تقارير الاستدامة بشكل طوعي، مستندة إلى مبادرات مثل المبادرة العالمية لإعداد التقارير التي تأسست 1997، وميثاق الأمم المتحدة العالمي في 2000. في تلك المرحلة، كان الهدف هو التعلم وبناء التجربة، لذلك كانت الشركات تختار ما تفصح عنه، وتقدم تقارير متفاوتة في الجودة. وتشير التقديرات إلى أن نسبة الشركات التي كانت تقدم تقارير ذات جودة عالية لم تتجاوز 15 % من الشركات الكبرى، وهو ما يعكس محدودية القدرة على المقارنة والاعتماد على هذه البيانات.
في 2014، بدأ الاتحاد الأوروبي أول تدخل تنظيمي من خلال توجيه الإفصاح غير المالي، الذي شمل نحو 11,700 شركة كبيرة. ورغم أنه ألزم بالإفصاح، فإنه ترك مساحة واسعة لاختيار المعايير، وهو ما جعله خطوة انتقالية أكثر منه نظامًا صارمًا. وقد أظهرت التجربة أن نحو 20 % فقط من الشركات كانت تخضع بياناتها لمراجعة خارجية، الأمر الذي أبقى مسألة الموثوقية محل تساؤل، وفتح المجال لظاهرة الغسل الأخضر.
في هذه الفترة، لم يكن التغيير مدفوعًا بالتنظيم فقط، بل بالسوق أيضًا. فالمستثمرون، الذين يديرون أصولًا تتجاوز قيمتها 100 تريليون دولار عالميًا، بدأوا يطالبون ببيانات أدق لتقييم المخاطر، خصوصًا تلك المرتبطة بالمناخ. ومع هذا التحول، لم تعد الاستدامة مجرد التزام أخلاقي، بل أصبحت عاملًا يدخل في تقدير المخاطر وتكلفة رأس المال.
وجاءت نقطة التحول في 2019 مع إطلاق الصفقة الخضراء الأوروبية، التي استهدفت توجيه استثمارات لا تقل عن تريليون يورو خلال العقد التالي. هذا الربط بين المناخ والاقتصاد والتمويل جعل الاستدامة جزءًا من آليات السوق، ودفع الشركات إلى تطوير أنظمة جمع البيانات وتحسين دقتها. فبعد أن كانت التقديرات العامة تشكل نسبة كبيرة من محتوى التقارير، بدأت الشركات تعتمد بشكل متزايد على بيانات فعلية، خاصة في سلاسل الإمداد.
في 2022، تم اعتماد توجيه الإفصاح عن الاستدامة، الذي وسّع نطاق الشركات المشمولة إلى أكثر من 50 ألف شركة داخل الاتحاد الأوروبي وخارجه، وبدأ تطبيقه تدريجيًا في 2024. هذا التوجيه وضع إطارًا أكثر وضوحًا، من خلال معايير تفصيلية للإفصاح، وأدخل مبدأ الأهمية المزدوجة، الذي يطلب من الشركات الإفصاح عن تأثير المخاطر البيئية فيها، وكذلك عن أثرها هي في البيئة والمجتمع. كما ألزم الشركات بالحصول على مراجعة خارجية، ما رفع مستوى الموثوقية وربط هذه التقارير بمنظومة الحوكمة.
هذا التحول يعني أن عدم الإفصاح لم يعد مجرد نقص في الشفافية، بل أصبح يحمل تبعات قانونية قد تصل في بعض الحالات إلى غرامات مؤثرة في إيرادات الشركات. وهنا لم تعد التقارير أداة تواصل، بل أصبحت جزءًا من نظام رقابي متكامل.
ومع بدء التطبيق، ظهرت مرحلة جديدة خلال عامي 2025 و2026، يمكن وصفها بمرحلة إعادة التوازن. فقد تبين أن متطلبات الامتثال قد تكون مكلفة، إذ تشير بعض التقديرات إلى أن تكلفة الامتثال قد تتجاوز 300 ألف يورو سنويًا للشركة الواحدة. لذلك، اتجه الاتحاد الأوروبي إلى تبسيط بعض المتطلبات وتقليص نطاقها، مع العمل على تطوير آليات رقمية تجعل البيانات أكثر قابلية للتحليل والاستخدام.
ما تكشفه هذه التجربة أن الانتقال إلى الإلزام لم يكن نتيجة قرار واحد، بل مسار بدأ ببناء المعايير، ثم اختبارها، ثم خلق طلب من السوق، قبل أن يتحول إلى التزام قانوني. وبعد ذلك، بدأت مرحلة جديدة لا تقل أهمية، وهي ضبط هذا الالتزام ليكون قابلًا للاستمرار.
في النهاية، لا يمكن فهم ما حدث على أنه مجرد تشديد تنظيمي، بل هو إعادة تعريف لدور الإفصاح في الاقتصاد. فالقانون هنا لم يسبق السوق، بل جاء لينظمها بعد أن أصبح وجود هذه البيانات ضروريًا. وربما يكون السؤال الأهم اليوم: هل يمكن للنظام الاقتصادي أن يعمل دون هذه المعلومات، بعد أن أصبحت جزءًا من طريقة فهمه للمخاطر والفرص؟
مستشار في الشؤون الدولية والاستراتيجيات العالمية
