شهدت السعودية تحولاً اقتصادياً عميقاً غير مسبوق في تاريخنا الاقتصادي، يتمثل في "رؤية 2030" الهادفة إلى تنويع مصادر الدخل والتحرر التدريجي من الاعتماد الكلي على النفط، وهو تحول استدعى بالضرورة. وجود آليات تمويلية ضخمة.
وهنا برز الدور المحوري للقطاع المصرفي السعودي كشريك إستراتيجي، -وليس مجرد مُقرض- في هيكلة مسار تمويل المشاريع الكبرى، وتطوير القطاعات غير النفطية الواعدة مثل الترفيه، والسياحة والصناعة، والقطاع العقاري، والمنشآت الصغيرة والمتوسطة.
لقد أثبت القطاع المصرفي جاهزيته وقدرته العالية بالرغم من المتطلبات التمويلية الضخمة التي استدعاها تنويع الاقتصاد؛ وقد أظهرت بيانات القطاع المالي تحولاً نوعياً من مجرد "داعم" إلى "محرك أساسي" في تحقيق مستهدفات الرؤية.
تجاوز إجمالي القروض العقارية من المصارف التجارية حاجز 933 مليار ريال، بينما كان في بداية 2016 بنحو 188.5 مليار ريال فقط. وفي ذات السياق، وصل إجمالي حجم التسهيلات الائتمانية المقدمة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر 420.7 مليار ريال بنهاية الربع الأول من 2025، حيث كان في 2018 نحو 108.5 مليار ريال؛ وهو ما يجسد الهدف الأساسي من مرحلة ما بعد النفط وبناء اقتصاد منتج.
كما تتسم منظومة المصارف السعودية بمتانة تمويلية لا تجدها في كثير من الدول الناشئة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بتمويل القطاع الخاص؛ حيث تخطى الائتمان الممنوح للقطاع الخاص حاجز 3.2 تريليون ريال في الربع الثالث من العام الحالي 2025، مقارنة بنحو 1.38 تريليون ريال فقط في 2016.
نلاحظ أن النمو اللافت (من 1.38 تريليون إلى 3.2 تريليون ريال) يظهر تحولاً هيكلياً في الدورة الاقتصادية؛ حيث كان المعدل في السنوات الأولى ( 2016-2019 ) يميل للتباطؤ (2-3%) بسبب الإصلاحات، ثم قفز إلى معدلات مزدوجة (فوق 10%) في السنوات الأخيرة (2020-2025) مدفوعاً بقطاع الإسكان والمشاريع الكبرى، مما يثبت أن "محركات النمو" في الرؤية بدأت تعمل بكامل طاقتها التمويلية.
رغم ذلك، حافظت المصارف على مستويات مرتفعة من كفاية رأس المال، ما يبرز قوة الرسملة واحترافية الإدارة المصرفية والنقدية في البلاد، كما أظهرت البيانات المالية للبنوك السعودية أن الأرباح المجمعة منذ 2016 وحتى الربع الثالث من 2025 بلغت 610 مليارات ريال سعودي. وهذا الرقم لا يعكس فقط الكفاءة التشغيلية والربحية، بل يؤكد قدرة القطاع على توليد القيمة والسيولة اللازمة في تلبية احتياج الاقتصاد.
ومن جانب آخر، مشهد المتانة المالية مؤطر في الاقتصاد السعودي بجوانب إعلامية وتوعوية، إذ تقود لجنة الإعلام والتوعية المصرفية بالبنوك السعودية حراكاً إستراتيجياً يتكامل مع الرقابة التشريعية وعبر محاور (الادخار، الثقافة المالية، والوعي المالي)، تسعى اللجنة لترسيخ ثقافة مالية رشيدة لدى جميع شرائح المجتمع، مشكلة بذلك حائطا دفاعيا صلبا ضد مخاطر الاحتيال المالي والهندسة الاجتماعية، وهذا الدور لا يحمي مدخرات العملاء فحسب، بل يعزز موثوقية التعاملات الرقمية ويحقق مستهدفات برنامج تطوير القطاع المالي في خلق بيئة اقتصادية واعية وآمنة.
في نهاية المطاف، إن جوهر التحول الاقتصادي يكمن في إدراك أن الثروة لا تُقاس بالموارد الخام وحدها، بل ببراعة إدارة رأس المال والوعي المالي العميق. لقد أثبت القطاع المصرفي السعودي، أن النفط ليس هو وقود المستقبل، بل كفاءة البنوك في تدوير مئات المليارات لتمويل التنويع الاقتصادي. فمن يمتلك حصناً مالياً مرناً، لا يخشى من تقلبات الأسواق، بل يوجهها لمصلحته، وهذا هو جوهر رؤية السعودية 2030.
مستشار اقتصادي متخصص في السياسات الاقتصادية وإدارة إستراتيجيات الأعمال
