الخميس, 17 سبتمبر 2026|4 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

أوتاوا تبحث خيارات لتعزيز شراكتها مع الاتحاد الأوروبي دون الوصول إلى حد العضوية الكاملة

  • آيسلندا صدمت بروكسل بتصويتها بفارق ضئيل على وقف مفاوضات الانضمام للاتحاد
  • بريطانيا تراهن على اتفاق خاص مع الاتحاد الأوروبي بدلاً من العودة بالكامل له

الخلاصة

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني سيلقي كلمة أمام البرلمان الأوروبي في 2024-06-08، مؤكداً رغبة كندا في بناء شراكة أمنية واقتصادية أقوى مع الاتحاد الأوروبي دون الانضمام الكامل. آيسلندا جمدت مفاوضات الانضمام، وبريطانيا تواجه تحديات بعد "بريكست". الاتحاد الأوروبي يعاني ضعف التكامل الداخلي وتراجع الحماس للانضمام الكامل.

سيلقي رئيس الوزراء الكندي مارك كارني كلمة أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ اليوم الخميس. نعلم جميعاً السبب؛ فقد أرغمته إدارة أمريكية شديدة العدوانية على اتخاذ موقف دفاعي، وقال إن رده سيكون عبر "بناء شراكة أمنية واقتصادية أقوى وأعمق بكثير" مع الاتحاد الأوروبي.

صرح مسؤول كندي لـ"بلومبرغ" بأن بلاده "تبحث بجدية كافة الخيارات المتاحة التي لا تصل إلى حد العضوية الكاملة" في التكتل. وهذه تحديداً هي المشكلة بالنسبة إلى أوروبا.لا تُعد الدول التي تود الاستفادة من الارتباط بالاتحاد الأوروبي قليلة، غير أن القليل منها فقط يرغب في الانضمام إليه فعلياً.

صدمة آيسلندا وبروكسل

أحدثت آيسلندا صدمة في بروكسل، على سبيل المثال، إثر تصويتها لصالح تجميد مفاوضات الانضمام بفارق ضئيل بلغت نسبته 53% مقابل 47%، وتنتمي الجزيرة الواقعة في شمال الأطلسي بالفعل إلى المنطقة الاقتصادية الأوروبية، ما يجعلها جزءاً من السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي. رغم ذلك، فهي ترسم سياساتها المستقلة في مجالات التجارة، والزراعة، وصيد الأسماك.

إذا كان سكان آيسلندا راضين عن الوضع الراهن في القارة حالياً، فلا بأس بذلك. (رغم أنه ربما يتعين عليهم أن يقلقوا أكثر بشأن بقائهم عالقين في قلب إحدى أكثر المناطق الجيوسياسية المتنازع عليها في العالم).لكن الأحرى بالاتحاد الأوروبي أن يوجه لنفسه تساؤلات جادة حول الدوافع الحقيقية وراء رغبة هذا الكم من الدول في الارتباط بأوروبا أوسع نطاقاً وأقل اندماجاً، بالتزامن مع تراجع الحماس للتكامل الفعلي.

موقف رئيس الوزراء البريطاني

لدى بريطانيا اليوم رئيس الوزراء آندي بيرنام الذي لديه استعداد لوصف خروجها من الاتحاد الأوروبي "بريكست" بأنه خطأ يضر بالنمو، ومع ذلك لا تزال المؤسسة السياسية البريطانية تعتقد، خلافاً لكل الأدلة، بقدرتها على إبرام اتفاق مصمم خصيصاً مع بروكسل. لا بديل عن تجرّع المرارة وتقبّل حتمية العودة لتصبح جزءاً من الاتحاد الأوروبي من جديد.

يُعزى جزء كبير من هذه المشكلة إلى تساهل التكتل أو عشوائيته المفرطة بشأن ما يقدمه للدول غير الأعضاء. فقد أنشأ عدة أنواع مختلفة من الشراكات مع دول ليست جزءاً من الاتحاد الأساسي. وبعضها، مثل آيسلندا، جزء من السوق الموحدة. وتنتمي تركيا ودول أخرى إلى الاتحاد الجمركي.ورغم أن سويسرا تشارك في منطقة شنغن الخالية من الحدود، فإنها تعتمد على حزمة معقدة ومجزأة من الاتفاقيات التجارية القطاعية.

حتى داخل الاتحاد الأوروبي، تستطيع دول مثل الدنمارك الاحتفاظ بعملاتها الخاصة. وكثيراً ما يتذمر مفاوضو بروكسل من نزعة شركائهم نحو "انتقاء" مزايا الشراكة بما يناسبهم. لكن الاتحاد الأوروبي نفسه هو الذي أنشأ هذا التشابك الكثيف من البدائل.

تفسيران لانتهاج البدائل

ثمة تفسيران لاضطرار التكتل إلى انتهاج ذلك، وكلاهما يفتقران إلى اللياقة أو النجاح. الأول هو أن الاتحاد الأوروبي أصبح أقل جاذبية لأنه وسّع طموحاته إلى حد بعيد خارج وعده الأول بأن يكون منطقة اقتصادية موحدة خالية من العوائق، يستفيد منها الجميع مع الحفاظ على قدر كبير من الاستقلالية الوطنية. وهذا الانتقاد شائع حتى في الدول التي استفادت بدرجة كبيرة من سخاء بروكسل.

من السهل في بولندا العثور على سياسيين يمينيين يطالبون بأن تحذو البلاد حذو آيسلندا أو النرويج في وضعها القائم على البقاء خارج الاتحاد الأوروبي مع الارتباط به.

أما السبب الثاني لاضطرار الاتحاد الأوروبي إلى مد جسور مع الخارج، فهو فشله في أن يكون أكثر ديناميكية من الداخل. تنتصر أوروبا الأكبر متعددة السرعات، أو حتى "أوروبا الكبرى" كما يمكن تسميتها، مع تفكك مسار التكامل. النمو الضعيف لا يستطيع تعويض الاختلافات الثقافية بين الأعضاء. ونتيجة لذلك، يتعرض المشروع الأوروبي لهجوم من اليسار واليمين، حتى في الدول الغربية التي سعت إليه بأكبر قدر من النشاط.

ضغوط سياسة الهجرة بإسبانيا

في إسبانيا، تفرض سياسة الحكومة الاشتراكية الرامية إلى منح الجنسية للمهاجرين غير الشرعيين ضغوطاً على اتفاقية شنغن، لم تُصمم الاتفاقية لتحملها. في فرنسا، يطالب مرشح الرئاسة اليساري الدائم، جان لوك ميلينشون، البنك المركزي الأوروبي بشطب حصته من ديون البلاد.

غير أن ما يثير القلق بصورة أكبر هو فوز حزب "البديل من أجل ألمانيا " المناهض للاتحاد الأوروبي بأول انتخابات على مستوى الولايات، إلى جانب تصدر مارين لوبان لاستطلاعات الرأي في فرنسا.تشهد الدولتان انتخابات رئاسية العام المقبل، وقد يفوز اليمين المتطرف بالفعل. فمن سيرغب في الانضمام إلى اتحاد أوروبي تقوده قوتان معاديتان لبروكسل؟

مع ذلك، فإن الرد على هذا التحدي بالسماح بتشكيل حلقة خارجية مشوشة تضم دولاً مرتبطة بالاتحاد ومؤيدين ومتطفلين، لن يؤدي إلى تقوية أوروبا التي يتداعى مركزها.

ركيزة الاتحاد الأقوى

الاتحاد الأوروبي الأقوى هو الذي يرتكز على نواة صلبة ومتماسكة من الأعضاء، غيّرت دوافعها وغاياتها بما يتماشى مع هذه الحقبة الأكثر اضطراباً.كما أن وجود طبقة خارجية من الحلفاء الموثوقين، مثل كندا، أمر منطقي أيضاً، لكن ينبغي أن تكون هذه الطبقة متماسكة بدورها، وأن تفرض متطلبات جادة على الحكومات التي تريد الحصول على هذا الوضع المميز.

لربما كان التوافق الاقتصادي منخفض التأثير، دون انخراط كامل، خياراً مجدياً للطرفين في عالم تسوده القواعد الناظمة. أما اليوم، فنعيش في عالم تكتسب فيه قوة التكتلات وتماسكها أهمية كبيرة.

شروط الانضمام إلى أوروبا الكبرى

لكي يكون أي طرف جزءاً من أوروبا الكبرى، ينبغي أن يقدم إسهاماً حقيقياً من خلال توحيد السياسات المالية والأولويات السياسية، إلى جانب قضايا الدفاع والأمن. فالتكتل الأوسع نطاقاً أفضل، لكن التكتل الأقل تماسكاً ليس كذلك.

عندما يأتي كارني إلى ستراسبورغ، فسيكون جاداً في البحث عن صيغة ما للحماية من عاصفة الرسوم الجمركية التي أطلقها عبر حدود بلاده الجنوبية الرئيس دونالد ترمب لكن هذا لا يعني أن تمنحه أوروبا شراكة أخرى محدودة الأهمية تضاف إلى شبكة الشراكات التي تربطها بالدول الأخرى.بل ينبغي لبروكسل أن تنتهز الفرصة لبناء مجموعة من الدول المرتبطة بالاتحاد، تتسم بالانضباط والتنظيم، أي مجتمع إستراتيجي واقتصادي يتشارك قواعد المشتريات وآليات العقوبات والمساهمات المالية وتدابير مكافحة الإكراه في مواجهة الهجمات التجارية.

لن تتمتع بحق صياغة القواعد سوى الدول المنضوية في النواة الأساسية، متى قبلت تحمل نصيبها من المسؤولية. ولعل في ذلك تذكيراً للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، أو تلك التي تلوح لها فرصة الانضمام، بأهمية العضوية، وبالتضامن اللازم لتأسيس سوق مشتركة ثم الذود عنها.

كاتب عمود في بلومبرغ. وهو زميل أقدم في مؤسسة أوبزرفر للأبحاث في نيودلهي ورئيس برنامج الاقتصاد والنمو التابع لها.

خاص بـ " الشرق بلومبرغ"

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية