الأحد, 13 سبتمبر 2026|30 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

من الطبيعي أن تلفت أرقام الاستثمار الكبيرة الانتباه، فكلما ارتفع الاستثمار المتوقع ارتفعت معه توقعات النمو والوظائف والنشاط الاقتصادي هذه دورة الاقتصاد المعتادة. وفي مؤتمر LEAP الأخير تجاوزت قيمة الاستثمارات والإطلاقات الجديدة المعلنة 15 مليار دولار، معظمها في القطاع الأعلى تنافسيا اليوم في العالم! الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات والبنية الرقمية.

لكن خلف الرقم سؤال اقتصادي آخر مهم في ظل منافسة توطين القطاعات الجديدة من كل مليار يُستثمر، كم يبقى فعلياً داخل الاقتصاد؟

لنبسط التصور بالمثال؛ لنفترض أن دولتين استقطبت كل منهما مشروعاً بمليار دولار. الأولى تستورد معظم المعدات والتقنيات والخدمات الهندسية، ثم تشغل المشروع بعدد محدود من الموظفين. أما الثانية فتستورد التقنية التي لا تنتجها، لكنها تعتمد أيضاً على مقاولين ومهندسين وموردين محليين، وتصنع جزءاً من المكونات، ثم تنشئ حول المشروع خدمات صيانة وبرمجيات وشركات تستطيع لاحقاً التصدير. الرقم المعلن واحد في الحالتين، لكن الأثر الاقتصادي مختلف.

هذا الفرق هو ما تقيسه القيمة المضافة المحلية. فالاستثمار لا يدخل الاقتصاد ويبقى كله داخله؛ جزء منه يتحول إلى أجور وأرباح وضرائب ومشتريات محلية، وجزء آخر يذهب إلى استيراد المعدات والتقنيات والخدمات أو يعود لاحقاً إلى المستثمر في صورة أرباح. ولا يعني ذلك أن الاستيراد سلبي، فهو غالباً الطريق الأسرع لبناء قطاع جديد، لكن قدرة الاقتصاد على زيادة الجزء المحلي مع مرور الوقت هي التي تحدد عمق أثر الاستثمار، لذلك وضعت السعودية في أولى اهتماماتها بناء قطاعات جديدة مصحوبة بمنفعة اقتصاديه تعزز المحتوى المحلي.

القطاع التقني والرقمي السعودي صورة لذلك؛ فالاقتصاد الرقمي أصبح يمثل نحو 16% من الناتج المحلي في 2024، وبلغت الإيرادات التشغيلية لقطاع الاتصالات وتقنية المعلومات نحو250 مليار ريال. وفي العام نفسه استوردت السعودية سلع تقنية معلومات واتصالات بقيمة 67.9 مليار ريال، مقابل صادرات وإعادة تصدير بلغت 25.8 مليار ريال، بعدما كانت 11.8 مليار في العام السابق. الأرقام تبرز اقتصاداً رقمياً يتوسع بسرعة، لكنها تكشف أيضاً عن مساحة كبيرة لبناء قيمة محلية حول هذا الطلب.

ولهذا قد يكون أحد أصغر إعلانات LEAP أكثر إثارة اقتصادياً من حجمه؛ فبين مليارات الدولارات المعلنة لمراكز البيانات، جاء استثمار بنحو 150 مليون دولار لتصنيع مكوناتها محلياً. أهميته ليست في إضافة 150 مليوناً فقط، بل في إمكانية جعل جزء أكبر من المليارات الأخرى يتحول إلى طلب على منتجات وموردين محليين. فالاستثمار الأفضل ليس دائماً الأكبر، وقد يكون الاستثمار الصغير مهماً لأنه يجعل استثمارات أكبر أكثر ارتباطاً بالاقتصاد.

وهذه ليست معادلة خاصة بالتقنية. صناعة السيارات مرت بالمراحل نفسها؛ تبدأ باستيراد المركبة أو تجميعها، ثم تظهر صناعة القطع والخدمات والهندسة، وقد تنتقل لاحقاً إلى التصميم والتصدير. ولا تحتاج الدولة إلى تصنيع كل مسمار حتى تحقق قيمة محلية أعلى، بل إلى اختيار الحلقات التي تستطيع بناء ميزة تنافسية فيها.

لذلك لا تكمن القيمة الاقتصادية للاستثمار في حجمه عند دخوله فقط، بل في عدد المرات التي يعاد فيها تدوير هذا الإنفاق داخل الاقتصاد قبل أن يتسرب جزء منه إلى الخارج. وكلما ارتفعت حصة الموردين والعمالة والمعرفة والإنتاج المحلي، ارتفع المضاعف الاقتصادي للاستثمار، وتحسن أثره في الناتج والإنتاجية وميزان المدفوعات، وأصبح النمو أقل اعتماداً على تدفقات رأسمالية جديدة لاستمراره.

عندها تنتقل الدولة من استضافة الاستثمار إلى بناء منظومة اقتصادية حوله، ومن استيراد القدرة الإنتاجية إلى امتلاك جزء متزايد منها. ولهذا فإن الرقم الأهم بعد إعلان أي استثمار كبير ليس فقط ما دخل إلى الاقتصاد، بل مقدار القيمة التي استطاع الاقتصاد أن يصنعها ويبقيها بسببه.

أما مؤتمر LEAP فقد صنع حراكا تقنيا لافتا نجح في استقطاب أسماء كبيرة ومتخصصة، وأيضا يؤخذ بالحسبان كل النشاط المصاحب للقطاعات المساندة وقتها؛ إذ حجم العقود لافت وجاذب، وكذلك التركيز على تعزيز المحتوى المحلي ليشارك في صناعة حيز من هذا النشاط الاقتصادي ذي فائدة أعمق.

الرئيس التنفيذي للاستثمار BLME

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية