الأربعاء, 30 سبتمبر 2026|17 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

مع اقتراب الربع الأخير من عام آخر حافل بالاضطرابات، تواجه الأسواق واقعاً صارخاً: فالنمو الاقتصادي وأرباح الشركات تسجل مستويات مرتفعة للغاية، ما يضع الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية الأخرى أمام خيارين؛ إما رفع أسعار الفائدة بقوة أو المخاطرة بترسيخ معدلات التضخم.

وبالنسبة لمستثمري السندات، لا يبدو أي من الخيارين مريحاً. والأمر الواضح هو أنه لا يوجد -فيما تبقى من  2026- ما يغير بشكل جوهري مشهد النمو القوي والأرباح المرتفعة، المدفوع بطفرة الاستثمار التجاري المستمرة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والتي يتوقع معظم المحللين استمرارها حتى نهاية العقد على الأقل. وهذا هو "الغراء القوي" الذي يرى جورج سارافيلوس، الخبير الإستراتيجي في "دويتشه بنك"، أنه يربط بين التحركات السائدة في الأسواق العالمية حالياً.

وكتب سارافيلوس: "ببساطة، لا توجد طريقة أخرى لتفسير الارتفاع الهائل في العوائد -الذي يعزى بشكل شبه حصري إلى أسعار الفائدة المحايدة- ووصول الأسهم إلى مستويات قريبة من ذروتها القياسية، وانكماش هوامش الائتمان (فروق العائد) إلى أدنى مستوياتها، وانخفاض التقلبات عبر فئات الأصول المختلفة إلى هذا الحد".

وأضاف أن طفرات الإنفاق الرأسمالي الضخم نادرة الحدوث؛ إذ لم تشهد الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية سوى حالتين مماثلتين لهذه الطفرة: أواخر الثمانينيات ومنتصف العقد الأول من القرن الـ21.

وعلاوة على ذلك، عادة ما تمتد هذه الطفرات لعدة سنوات، بمتوسط ​​يبلغ نحو 3 سنوات. ويبدو أن الطفرة الحالية في طريقها لتصبح الأكبر منذ عام 1945 من حيث إجمالي الإنفاق التراكمي كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ونظراً لارتفاع معدلات التضخم لهذا السبب، وتفاقمها بشكل كبير جراء صدمة الطاقة الموازية، فمن المرجح أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للولايات المتحدة قد تجاوز 8% في الربع الثاني، وهو في طريقه لتخطي حاجز 9% في الربع الحالي. ورغم أن صورة الربع الثالث لا تزال غير مكتملة المعالم، إلا أن نموذج "GDPNow" التابع للاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا يشير إلى نمو حقيقي (معدل وفقاً للتضخم) بنسبة 5.1%.

في غضون ذلك، تشير أداة "Nowcaster" (التي تتنبأ بالوضع الراهن) التابعة لبنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند إلى أن معدل التضخم العام - مقاساً بمؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي - سيصل إلى 4% هذا الشهر. وتشير التقديرات إلى أن نحو ثلث نمو الناتج المحلي الإجمالي هذا يعود إلى الطفرة في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، وهي طفرة لا تظهر أي بوادر على التباطؤ. وفي الوقت نفسه، يقترب موعد موسم الإعلان عن أرباح الربع الثالث؛ إذ من المتوقع أن يتجاوز النمو السنوي لأرباح شركات مؤشر "S&P 500" حاجز الـ 30% مجدداً في الربع الثالث، وأن يبلغ نحو 28% في الربع الرابع، وذلك بعد أن كان قد تجاوز نسبة هائلة بلغت 50% في الربع الثاني وفقاً لبيانات "LSEG".

ورغم أن قطاعات التكنولوجيا والاتصالات والطاقة هي بوضوح القطاعات البارزة التي تقود هذا التوسع، إلا أن نطاق طفرة الأرباح يبدو غير معتاد؛ إذ تجمع تقديرات الربع الرابع بين نمو سنوي بنسبة 43% في قطاع المواد الأساسية، و16% في قطاع المرافق، و15% في قطاع السلع الاستهلاكية الاختيارية، و14% في قطاع الرعاية الصحية.

وكما أشار بنك "باركليز"، فإن تقديرات نمو الأرباح للعام بأكمله 2026 -والتي تبلغ نحو 34%- تعد أمراً لافتاً للغاية؛ لأنها تأتي استناداً إلى توسع قوي بالفعل في الأرباح (بنسبة مئوية مزدوجة الرقم) في العام الماضي، ما يضع هذا النمو "ضمن أقوى حالات توسع الأرباح -بخلاف فترات التعافي الاقتصادي- في تاريخ الأسواق الحديث".

وبناءً على هذه الأرقام وحدها، لا يبدو غريباً أن الاحتياطي الفيدرالي قد قاوم بالفعل ضغوط البيت الأبيض المطالبة بخفض أسعار الفائدة، بل إنه من المتوقع الآن أن يُقدم على رفع أسعار الفائدة بما يصل إلى 4 مرات إضافية خلال العام المقبل، وذلك علاوة على الزيادة التي أقرها قبل بضعة أسابيع. وفي إطار إعادة التسعير لمواكبة هذه التوقعات، أصبحت عوائد سندات الخزانة -بآجال استحقاق تتراوح بين 3 و30 عاماً- تتجاوز الآن 5%، وهو أعلى مستوى لها منذ ما قبل الأزمة المصرفية في عامي 2007 و2008 بالنسبة للعديد من فترات الاستحقاق.

"قوة الجاذبية" (G-Force) إذن، لماذا لا تؤدي ضغوط الاقتراض الحكومي (عبر سندات الخزانة) إلى إبطاء وتيرة النشاط الاقتصادي ودفع السوق نحو إعادة التوازن؟ يرى جيل مويك، كبير الاقتصاديين في مجموعة "أكسا" (AXA)، أن أحد أسباب عدم قيام سوق السندات بتهيئة الظروف لاستقرارها الذاتي - من خلال كبح النمو وتهدئة التوقعات بشأن مسار أسعار الفائدة - يكمن في أن ارتفاع العوائد لا يُحدث تأثيراً كبيراً في الأوضاع المالية في الاقتصاد الأوسع نطاقاً؛ أو على الأقل، ليس بعد.

وبالنظر إلى "المؤشر الوطني للأوضاع المالية" الصادر عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو - وحتى عند تعديل البيانات لمراعاة التقلبات التاريخية - أشار مويك إلى أن الأوضاع المالية تتسم حالياً بكونها "تيسيرية" مقارنة بالمتوسط، في حين كانت "تقييدية" خلال خريف عام 2023، وهي الفترة السابقة التي تجاوزت فيها عوائد السندات لأجل 10 سنوات حاجز الـ 5%.

وكتب مويك قائلاً: "لا يعني هذا أن الاقتصاد الحقيقي الأمريكي قادر على الصمود أمام أسعار فائدة مرتفعة إلى ما لا نهاية، ولكنه يشير إلى ضرورة تشديد الأوضاع المالية بشكل أكبر بكثير قبل أن تبدأ ’حلقة التغذية الراجعة‘ في العمل".

وفي ظل الوضع الراهن، أدى الارتفاع المقلق في أسعار الفائدة المرجعية للاقتراض إلى تراجع أسعار الأسهم مقارنة بتقديرات الأرباح المستقبلية لفترة 12 شهراً. ومع تسجيل مضاعفات ربحية تقل عن 19 ضعفاً لمؤشر "إس آند بي 500" (S&P 500) وتزيد قليلاً عن 16 ضعفاً لمؤشر "إم إس سي آي" العالمي (MSCI All-Country World Index)، فإن هذه التقييمات تُعد الأقل تكلفة منذ نحو 3 سنوات، وإن كانت لا تزال أعلى بقليل من المتوسطات طويلة الأجل.

وتكمن المسألة في أن انخفاض الأسعار - بخلاف تعديلات الأرباح - يؤدي فقط إلى رفع العائد الضمني للأرباح بالتوازي مع ارتفاع عوائد السندات، بدلاً من إحداث ذلك التباين بينهما الذي قد يشير فعلياً إلى تحول في الاتجاه. ويصف أندرو شيتس، الخبير الإستراتيجي في بنك "مورغان ستانلي"، هذا الأمر بأنه "سباق مع المقام" (أي القاسم في معادلة التقييم).

يرمز الحرف "g" إلى النمو في معادلات الاستثمار. وقد أشار إلى أن الفجوة بين عوائد الأرباح وعوائد السندات على مدى السنوات الـ30 الماضية تفسر ما يصل إلى نصف الأداء النسبي لهاتين الفئتين من الأصول خلال السنوات الـ3 اللاحقة.

وكتب شيتس: "في نهاية المطاف، الأسواق ليست مجرد معادلات تُحل مرة واحدة كل ربع سنة، بل هي نقاشات حول المستقبل. وعندما يكون النمو قوياً، يميل المستثمرون أكثر إلى منح عامل النمو (g) فرصةً وإبداء حسن الظن به.

لذا، لا تكمن المسألة في أهمية المقام في المعادلة، بل في المدة التي يمكن أن يحافظ فيها هذا النمو (g) على وتيرته المتسارعة".

إذا ظلت قصة الذكاء الاصطناعي - أو على الأقل الجانب المتعلق بالبنية التحتية فيه - هي "قوة النمو" (g-force) المهيمنة وتوسعت عالمياً - وهو ما بدأت تفعله بالفعل - فإن أي حديث عن عقبات قد تبطئ هذا الزخم سيتأجل إلى العام المقبل على أقرب تقدير؛ ما يعني أن الاحتياطي الفيدرالي وسوق السندات قد يواجهان المزيد من العمل.

كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز

منتدى الاقتصادية 2026