الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 2 يونيو 2026 | 16 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

قطاع الطاقة والذكاء الاصطناعي

م. عبدالرحمن النمري
الاثنين 29 ديسمبر 2025 12:34 |2 دقائق قراءة

في رأيي، لم يعد من الممكن الحديث عن مستقبل الطاقة بمعزل عن الذكاء الاصطناعي، حيث إن العلاقة بينهما لم تعد تكميلية أو ثانوية، بل أصبحت علاقة جوهرية تعيد تشكيل طريقة إنتاج الطاقة وإدارتها وكذلك استهلاكها. نحن اليوم أمام تحول جذري تحركه الخوارزميات بقدر ما تحركه محطات التوليد، وتدعمه البيانات بقدر ما تدعمه الموارد الطبيعية وهذه حقيقة يجب التعامل معها بنظرة استشرافية حصيفة وديناميكية.

أرى أن الذكاء الاصطناعي أعاد صياغة مفهوم الكفاءة في قطاع الطاقة، والتي كانت تقاس بقدرة المحطات على الإنتاج المستقر وتقليل الأعطال، أما اليوم فأصبحت الكفاءة تعني التنبؤ قبل حدوث الخلل، وإدارة الأحمال بشكل ديناميكي، وتحسين الأداء لحظيا.

تشير التقديرات إلى أن مراكز البيانات تستهلك اليوم ما يقارب 400–450 تيراواط في الساعة، أي نحو 1.5% من إجمالي الاستهلاك الكهربائي العالمي، مع توقعات بتجاوز هذا الرقم حاجز 1000 تيراواط/ساعة خلال العقد المقبل نتيجة التوسع السريع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

الجدير بالذكر أن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر دوره على زيادة الطلب على الطاقة، بل يُعد أداة رئيسية لرفع كفاءتها، حيث إنه في بعض التجارب العملية، أسهم استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي في خفض استهلاك الطاقة في مراكز البيانات بنسبة وصلت إلى 40% عبر تحسين أنظمة التبريد وتوزيع الأحمال وتقليل الفاقد. هذا المثال يوضح كيف يمكن للتقنية ذاتها أن تكون جزء من المشكلة وجزء أساسيا من الحل.

أعتقد أن التحول الأكبر يظهر في قطاع الطاقة المتجددة، كون مصادر الطاقة مثل الشمس والرياح هي مصادر متقلبة بطبيعتها بسبب العوامل البيئية والفنية الكثيرة، ما يجعل إدارتها دون أدوات ذكية أمرا بالغ الصعوبة. الذكاء الاصطناعي مكّن من التنبؤ بالإنتاج، وتحسين إدارة التخزين، ورفع موثوقية الشبكات. ويُقدّر أن حجم سوق الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة بلغ أكثر من 10 مليارات دولارا في السنوات الأخيرة، مع توقعات بتضاعفه عدة مرات قبل نهاية هذا العقد، مدفوعا بالحاجة الملحة إلى كفاءة أعلى واستدامة أطول.

في رأيي، من أهم أدوار الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة خفض التكاليف الرأسمالية والتشغيلية، حيث إن الصيانة الوقائية، على سبيل المثال، قلّلت من الأعطال المفاجئة، وأطالت العمر التشغيلي للأصول، وخفّضت الإنفاق غير المخطط له. كما أن تحسين كفاءة استهلاك الوقود في محطات التوليد التقليدية أسهم في خفض الانبعاثات دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة في بنية تحتية جديدة.

من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن الذكاء الاصطناعي نفسه بات مستهلكا كثيفا للطاقة. بعض التقديرات تشير إلى أن تطبيقات الذكاء الصناعي قد تمثل ما بين 5% و15% من استهلاك الطاقة في مراكز البيانات حاليا، مع احتمالية ارتفاع هذه النسبة بشكل كبير مستقبلا إذا لم تواكبها حلول طاقة أكثر كفاءة.

أرى أن المملكة العربية السعودية تمتلك فرصة إستراتيجية نادرة في هذا المجال، من خلال دمج الذكاء الاصطناعي في منظومة الطاقة منذ مرحلة التخطيط والتصميم، وليس في مرحلة التشغيل، حيث أن هذا التوجه في رأيي يمكن أن يبني نماذج طاقة أكثر مرونة، وأكثر قدرة على دعم النمو الصناعي والاقتصادي، ومتوافقة مع مستهدفات الاستدامة.

مختص في شؤون الطاقة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية