محمد الماضي
عاد قطاع التعدين إلى واجهة الاقتصاد العالمي بوصفه صناعة إستراتيجية لا تقل أهمية عن الطاقة والتكنولوجيا، بعدما أصبحت المعادن الحرجة عنصرًا محوريًا في عديد من الصناعات، وفي مقدمتها صناعة أشباه الموصلات، إضافة إلى البطاريات والطاقة المتجددة والبنية الرقمية. وهو ما يفسر تحول التعدين من نشاط تقليدي إلى أحد أدوات القوة الاقتصادية للدول.
قدرت قيمة سوق التعدين العالمي بنحو 2.1 تريليون دولار في 2023، مع توقعات بارتفاعه إلى 2.8 تريليون دولار بحلول 2028، ثم إلى 3.7 تريليون دولار في 2033.
وفي قلب هذا التحول، تشير التقديرات الدولية إلى أن سوق التعدين لا تزال مفتوحة للمنافسة. ووفقًا لتقرير Research and Markets، فإن القطاع يعد مجزأ نسبيًا، إذ لا تتجاوز حصة أكبر 10 شركات عالمية نحو 14.5% من إجمالي السوق في 2023، ما يفتح المجال أمام دول جديدة لإعادة التموضع داخل هذه الصناعة الاستراتيجية.
في هذا السياق، السعودية لا تتعامل مع التعدين كقطاع مساند، بل كإحدى ركائز الاقتصاد الرئيسية. وقد انعكس ذلك في تحسن جاذبية الاستثمار التعديني بانتقال المملكة من المركز 104 إلى 23، بالتوازي مع اتساع السوق وارتفاع عدد الشركات العاملة من 6 شركات قبل سنوات قليلة إلى أكثر من 226 شركة اليوم.
وعلى مستوى الموارد، تشير التقديرات إلى أن قيمة الموارد المعدنية غير المستغلة في السعودية تتجاوز 9 تريليونات ريال، ما يجعلها احتياطيا إستراتيجيا قادرا على إعادة تشكيل خريطة النمو الصناعي في المنطقة خلال العقد المقبل إذا جرى تحويله إلى سلسلة قيمة صناعية متكاملة. كما بلغ حجم الاستثمارات التعدينية قيد التنفيذ والدراسة نحو 180 مليار ريال، فيما نمت صادرات الصناعات التعدينية بأكثر من 80% مدفوعة بالتوسع في معادن ومنتجات مثل الفوسفات والألمنيوم والحديد والنحاس والذهب.
التحول الحقيقي لا يقاس بالأرقام وحدها، بل باتجاه السعودية إلى نموذج تعدين قائم على القيمة المضافة. فبدل الاكتفاء باستخراج الخام وتصديره، تتجه السعودية إلى بناء سلسلة متكاملة تمتد من الاستكشاف إلى المعالجة والتكرير ثم التصنيع، بما يجعل التعدين قاعدة صناعية تغذي قطاعات أعلى قيمة مثل الطاقة النظيفة والصناعات التحويلية والتقنيات المتقدمة.
ويظهر التحول نحو التقنيات الحديثة بوضوح في تبني شركات وطنية كبرى أدوات استكشاف متقدمة. فعلى سبيل المثال، يتجلى ذلك في استخدام أرامكو السعودية منصة متقدمة لتحليل البيانات الجيولوجية تعتمد على التعلم العميق والتقنيات الحديثة لقراءة وتحليل كميات ضخمة من البيانات، للمساعدة على تحديد المناطق الواعدة للاستكشاف وتعزيز كفاءة أعمال الاستكشاف.
التعدين لم يعد قطاعًا واعدا فحسب، بل بات ساحة تنافس على اقتصاد المستقبل. والسؤال الحقيقي اليوم ليس حجم الثروة تحت الأرض، بل مدى القدرة على تحويلها إلى صناعة متقدمة ترسخ موقع السعودية في سلاسل الإمداد العالمية للتقنية والطاقة.
ويتعزز هذا المسار مع دخول أرامكو إلى سوق الليثيوم عبر استخلاصه من مياه الحقول النفطية داخل السعودية، في خطوة تصل بين خبرتها التاريخية في الزيت والغاز واقتصاد بطاريات السيارات الكهربائية وتخزين الطاقة، حيث تعتمد التقنيات المستخدمة على الاستخلاص المباشر لليثيوم لتحقيق كفاءة أعلى وأثر بيئي أقل مقارنة بأساليب التعدين التقليدية.
كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال
