لم تعد الشرعية في المؤسسات الدولية تُبنى باللوائح وحدها، بل بكيفية إدارة الأثر أمام العالم. وفي حالة الاتحاد الدولي لكرة القدم، لا يكفي أن يُدار الحدث الأكبر في العالم تنظيميًا بإحكام؛ بل يجب أن يُدار أخلاقيًا ومؤسسيًا بما ينسجم مع حساسية البيئة الدولية التي يتحرك فيها.
من هنا يمكن فهم اعتماد الفيفا على معايير المبادرة العالمية لإعداد التقارير. المسألة لا تتعلق فقط بأن هذه المعايير كانت من أوائل الأطر التي نظّمت التقارير غير المالية، ولا بأنها انتشرت مبكرًا في مطلع الألفية. هذا جزء من القصة، لكنه ليس جوهرها. الجوهر أن هذه المعايير تمنح الفيفا إطارًا مرجعيًا معترفًا به دوليًا، في بيئة لا تخضع لقانون دولة واحدة، ولا لرأي عام موحد.
عندما أطلقت الفيفا أول برنامج منظم للاستدامة في كأس العالم 2006، ثم أصدرت في 2010 تقريرًا متوافقًا مع هذه المعايير، لم يكن ذلك مجرد تحسين إداري. كان إعلانًا ضمنيًا بأن إدارة البطولة لا تقتصر على الجوانب الرياضية والمالية، بل تمتد إلى أثرها في المجتمع والبيئة والاقتصاد. ومنذ ذلك الحين أصبح الإفصاح جزءًا من البنية المؤسسية، لا ملحقًا بها.
الفيفا، رغم كونها كيانًا خاصًا، تمارس تأثيرًا عامًا واسعًا. فهي تدير حدثًا يعيد تشكيل مدن، ويؤثر في سياسات العمل، ويحرّك استثمارات بمليارات الدولارات، ويترك آثارًا بيئية واجتماعية تستمر بعد انتهاء البطولة بسنوات.
نحن هنا أمام مؤسسة خاصة تؤدي وظيفة ذات طابع عام. وفي مثل هذا الموقع، لا يكفي الامتثال الشكلي، بل يصبح مطلوبًا منها أن تُبرر إدارتها للأثر وأن تُظهر أنها تتحرك وفق معايير مفهومة ومقبولة دوليًا.
معايير المبادرة العالمية تنطلق من سؤال بسيط لكنه عميق: ما الأثر الذي تتركه المؤسسة؟ هذا السؤال يهم الحكومات، ويهم المجتمع المدني، ويهم الجمهور العالمي. وهو سؤال أوسع من مجرد “ما المخاطر المالية التي قد تؤثر في المستثمرين؟”.
وهنا يجدر التمييز بين نوعين من تقارير الاستدامة. النوع الأول يركّز على المخاطر المالية المرتبطة بالاستدامة، أي كيف يمكن لقضايا المناخ أو القضايا الاجتماعية أن تؤثر في أداء المؤسسة وربحيتها. هذا النموذج يخاطب الأسواق والمستثمرين بالدرجة الأولى.
أما النوع الثاني فينظر إلى الصورة من زاوية معاكسة: كيف تؤثر المؤسسة نفسها في المجتمع والبيئة والاقتصاد؟ هذا النموذج يخاطب نطاقًا أوسع من أصحاب المصلحة، ويتعامل مع الاستدامة بوصفها مسؤولية عامة لا مجرد عامل مالي.
اختيار الفيفا ينتمي بوضوح إلى النوع الثاني، وهو ما يجعله أكثر انسجامًا مع طبيعة بطولة عالمية تتقاطع فيها السياسة بالاقتصاد بالبيئة، وتخضع لتدقيق يتجاوز حسابات الأرباح والخسائر.
الاعتراف الدولي الأخير عزز هذا المسار. حين أقرت الأمم المتحدة بهذه المعايير خلال المؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية باعتبارها معيارًا عالميًا شاملًا، أصبح الإفصاح عن الاستدامة أقرب إلى لغة مشتركة في النظام الاقتصادي الدولي. لم يعد تقريرًا داخليًا، بل جزءًا من منظومة الثقة التي تحيط بالمشاريع الكبرى.
هناك أيضًا عامل الاستقرار. بناء منظومة تقارير متكاملة يتطلب سنوات من تطوير البيانات والمؤشرات. تغيير الإطار بعد ذلك ليس خطوة بسيطة، بل إعادة ترتيب للعلاقة بين المؤسسة وأصحاب المصلحة. في هذا السياق، يبدو الاستمرار خيارًا عقلانيًا ما دام الإطار يحظى بالقبول الدولي.
يبقى السؤال مفتوحًا: هل سيظل التركيز على الأثر المجتمعي كافيًا في عالم يتجه نحو ربط الاستدامة بالمخاطر المالية والالتزامات التنظيمية؟ ربما تتطور النماذج، وربما تتكامل الأطر. لكن المؤكد أن الفيفا، باختيارها هذا المسار، لم تختر مجرد صيغة تقرير، بل اختارت أن تضع نفسها داخل نقاش الحوكمة العالمية.
اليوم، لم يعد النجاح يُقاس برفع الكأس وحده، بل بقدرة المؤسسة على تفسير ما خلّفه الحدث من أثر. وفي عالم شديد الترابط، أصبح التقرير جزءًا من مسؤولية البطولة، لا تفصيلًا هامشيًا فيها.
مستشارة في الشؤون الدولية والإستراتيجيات العالمية
