الخميس, 10 سبتمبر 2026|27 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية


مايك دولان

لم تنجح حربان وارتفاع هائل في أسعار الطاقة في تهدئة وتيرة الاقتصاد العالمي؛ إذ يواصل النمو العالمي زخمه القوي مع دخول النصف الثاني من العام، ما يضع مديري الأصول أمام تحدي إيجاد "خطوط عازلة" (للحماية من المخاطر) مع الحفاظ على استثماراتهم، في حين قد تكون أسعار الفائدة المرتفعة هي أداة الكبح الوحيدة المتبقية في السياسة الاقتصادية.

على مدى الأشهر الستة التي تلت تسبب الصراع المرتبط بإيران في قفزة بنسبة 50% في أسعار النفط الخام ومضاعفة أسعار الغاز الطبيعي، سادت حالة من الترقب والقلق بشأن كيفية انتقال تداعيات ذلك عبر الاقتصاد العالمي. ولكن مع اقتراب الربع الثالث من نهايته، يبدو أن النشاط العالمي قد اكتسب مزيداً من الزخم -مدفوعاً بسباق الذكاء الاصطناعي وطفرة استثمارات الشركات أكثر من أي عامل آخر- بدلاً من أن يتباطأ.

وإذا ظلت معدلات التضخم متقلبة ومرتفعة، فإن ذلك يعود إلى هذه المعادلة الأساسية المكونة من نمو اقتصادي قوي، وتوترات جيوسياسية محتدمة، واضطرابات في سلاسل الإمداد تصاحب هذه الأوضاع. ففي الأسبوع الماضي وحده، صدرت بيانات اقتصادية قوية؛ إذ كان الارتفاع غير المتوقع في أعداد الوظائف (كشوف المرتبات) في الولايات المتحدة خلال شهر أغسطس مثالاً بارزاً على ذلك.

كما تم تعديل أرقام الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو واليابان للربع الثاني بالرفع، وسجلت الصين نمواً سنوياً في الصادرات والواردات تراوح بين 25% و30% الشهر الماضي، فضلاً عن اختتام موسم أرباح الشركات بتسجيل واحدة من أسرع معدلات نمو الأرباح الإجمالية على الإطلاق.

ولا عجب إذن أن أسعار النحاس -التي تُعتبر عادة  مؤشراً لمدى قوة النشاط الصناعي العالمي- تعاود الارتفاع لتسجل مستويات قياسية، حيث تضاعفت قيمتها تقريباً في غضون 5 سنوات فقط.

وبالطبع، هناك عوامل أخرى تؤثر في هذا المعدن الأحمر، بما في ذلك المخاوف بشأن الرسوم الجمركية الأمريكية واختناقات مختلفة في سلاسل التوريد، إلا أنه يظل انعكاساً للنشاط الاقتصادي النشط وللطلب المتزايد على النحاس في ظل التوسع الهائل في إنشاء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي حول العالم وزيادة الإنفاق الدفاعي.

وتقودنا مؤشرات قياس معنويات الأعمال العالمية إلى النتيجة ذاتها. تُظهر مسوحات الأعمال العالمية المجمعة التي يجريها بنك "جي بي مورجان" (JPMorgan) -والتي تغطي قطاعي التصنيع والخدمات- أن مؤشر الإنتاج العالمي قد ارتفع في أغسطس للشهر الخامس على التوالي، ليصل إلى أعلى مستوياته منذ أكثر من عامين. ويتماشى هذا الأداء مع نمو سنوي في الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 3.1%، وهي نسبة تتجاوز تقديرات البنك للنمو العالمي المحتمل البالغة 2.3%.

وأشار البنك إلى أن القفزة في الطلبيات الجديدة ومؤشرات الإنتاج المستقبلي -إلى جانب تعزز مستويات الإنتاج- تُعد إشارة إيجابية تتطلع نحو المستقبل. "وباستثناء فترات التعافي التي تلي الركود الاقتصادي، فإن قراءة  أغسطس تتماشى مع ذروة فترات الانتعاش الاقتصادي التي شهدتها العقود العشرين الماضية."

قد ينطوي هذا الانتعاش على مخاطر -ولا سيما فيما يتعلق بتأثيراته على التضخم وأسواق الديون- إلا أن قوته أمر لا جدال فيه. ونظراً لأن هذا النمو مدفوع بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي والإنفاق الدفاعي، فلا توجد مؤشرات تذكر على احتمال حدوث تباطؤ في العام المقبل.

ومن المرجح أيضاً أن يرفع صندوق النقد الدولي تقديراته للنمو العالمي لعام 2026 عن النسبة البالغة 3.0% التي توقعها في يوليو. وفي ظل التوقعات بتسارع النمو إلى 3.4% في العام المقبل، ستكون الأنظار متجهة بشدة نحو توقعات الصندوق لعام 2027. علاوة على ذلك، وفي حين تعتمد الحكومات بشكل متزايد على النمو لكبح الارتفاع في نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، لا يبدو أن أياً منها عازم على استخدام "كوابح" السياسة المالية؛ ما يترك البنوك المركزية مرة أخرى الأداة الوحيدة لضبط السياسات وكبح جماح الاقتصاد.

تطبيع حالة الاضطراب

يتمحور النقاش الاستثماري الأبرز حالياً حول كيفية استمرار المستثمرين في الاستفادة من موجة النمو هذه، وكيف ينبغي لهم النظر إلى الارتفاع المتزامن في تكاليف الاقتراض طويل الأجل لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ عقود.

بالنسبة إلى البعض، يعزز هذا الوضع فكرة أن الفترة الاستثنائية في تاريخ ما بعد الحرب العالمية الثانية تمثلت في العقد الذي أعقب الأزمة المصرفية عام 2008؛ فقد كانت حقبة اتسمت بظروف خاصة شملت انخفاض معدلات النمو والاستثمار، وارتفاع معدلات الادخار، وتضخماً منخفضاً، وهي ظروف كانت تمثل "حالة شاذة" وليست "وضعاً طبيعياً جديداً" رسخته التغيرات الديموغرافية وشيخوخة السكان.

ويؤكد جيم ريد، الخبير الإستراتيجي في "دويتشه بنك" (Deutsche Bank)، أن ارتفاع عوائد السندات سيدفع المستثمرين ببساطة إلى التركيز على العوائد الدورية (الكوبونات) التي توفرها السندات، بدلاً من التركيز على المكاسب (أو الخسائر) الرأسمالية. كتب في مقال رأي نُشر  الثلاثاء الماضي في صحيفة "فاينانشيال تايمز": "لقد عادت السندات لتؤدي دورها المعهود كسندات"، وما نشهده الآن ليس سوى "استمرار لعملية العودة إلى الوضع الطبيعي، بعد الحالة الشاذة تاريخياً التي ميزت العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين (عقد 2010)".

غير أن ليس الجميع يعتقد أن نهاية "الوضع الطبيعي الجديد" تعني بالضرورة العودة إلى "الوضع الطبيعي القديم"؛ وذلك رغم أوجه التشابه الكبيرة بين المرحلة الراهنة -بما تتسم به من اضطرابات جيوسياسية وصدمات في سلاسل التوريد وتقلبات في النمو والاستثمار- وبين العقود التي سبقت أزمة 2008، والتي شهدت الحرب الباردة وحرب فيتنام وحظر النفط في الشرق الأوسط، فضلاً عن دورات الازدهار والانهيار المالي.

ويرى ديفيد كيلي، كبير الإستراتيجيين العالميين في شركة "جي بي مورجان" لإدارة الأصول، أن الحقبة الحالية تختلف عن كل من العقد الماضي و"الوضع الطبيعي القديم"، واصفاً إياها بـ "الوضع الطبيعي الجديد... الجديد".

وكتب كيلي: "ينبغي على المستثمرين توخي الحذر وإدراك ما ظل ثابتاً وما تغير"، مشيراً إلى أوجه التشابه بين الوقت الراهن وعقد 2010 -مثل تزايد التفاوت الاقتصادي وشيخوخة السكان- وكذلك ملامح تذكرنا بعالم ما قبل 2008، مثل تراجع هيمنة الدولار.

كما شدد أيضاً على  أن تتضمن عناصر فريدة لهذه المرحلة الجديدة، في ظل عودة القومية الاقتصادية والحمائية التجارية بمستويات غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، فضلاً عن التحول نحو الذكاء الاصطناعي الذي قد يعزز الإنتاجية.

لكن الأمر المؤكد هو أننا لن نعود إلى "الوضع الطبيعي" السابق فيما يتعلق بمستويات الديون الحكومية؛ فقد تراكمت هذه الديون للحيلولة دون تحول الركود الاقتصادي الذي شهدته حقبة العقد الأول من القرن الحادي والعشرين (وما تلاها) إلى كساد عميق، وكذلك لحماية الاقتصادات من تداعيات الجائحة. ويرى كيلي أن هذا الواقع يغير قواعد اللعبة بالنسبة إلى المستثمرين في المرحلة المقبلة.

وكتب قائلاً: "لا يمكننا توقع ارتفاع أسعار سندات الخزانة استجابةً لأي تراجع اقتصادي أو هبوط في الأسواق بنفس الوتيرة أو الحجم الذي كان يحدث في ظل الوضع الطبيعي السابق؛ إذ يحتاج المستثمرون إلى مصادر أوسع للتنويع". ربما تكون أفضل طريقة لوصف العالم حالياً هي التخلي تماماً عن مصطلح "طبيعي".

كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية