الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية


ماريوس فان أوردتكريستوف روزنبرغر

ينبغي تحسين الاتساق بين الضرائب المفروضة على التدخين وتناول السكريات مع ما تسببه من أضرار والمشروبات الأخرى.

كتب بنجامين فرانكلين في أحد مؤلفاته الشهيرة في 1789 يقول "لا شيء مؤكد سوى الموت والضرائب". ولكن ماذا لو كان بإمكان الضرائب أن تؤجل الموت على الأقل؟ وذلك أحد أسباب فرض ضرائب انتقائية على المنتجات غير الصحية كالتبغ والسكر.

وتشكل هذه الضرائب وسيلة فعّالة لتعبئة الإيرادات الضريبية المحلية التي تشتد الحاجة إليها، وتشجيع مزيد من السلوك الصحي، ولا سيما في البلدان منخفضة الدخل مع نضوب ميزانيات المساعدات. وكذلك لفت انتباه الناس إلى أن الحد من التدخين يساعد على خفض الإنفاق على الصحة العامة.

وفي الواقع، ظلت ضرائب "الخطيئة" أو "الضرائب السلوكية" قائمة منذ آلاف السنين: فقد سُجّلت ضرائب في مصر القديمة وترجع إلى 2400 قبل الميلاد. ويعود استمرارها، جزئيا، إلى سهولة تحصيلها نسبيا. ولكن في السنوات الأخيرة، برزت تحديات جديدة مع دخول عدد كبير من المنتجات الجديدة إلى السوق.

 لننظر إلى السجائر الإلكترونية، وأكياس النيكوتين،. ولتحقيق الأهداف المتعلقة بالصحة، يجب على صناع السياسات مواكبة هذه التطورات وتبسيط أنظمتهم الضريبية التي غالبا ما تكون غير مكتملة. ومن شأن الجمع بين بيانات الضرائب والصحة أن يجعل هذه المهمة أسهل.

إيرادات ثابتة

ثبُت أن الضرائب الانتقائية - بما في ذلك الضرائب على التبغ والمشروبات والسكر - مصدر موثوق لإيرادات الحكومة ومقبول من الناحية السياسية وذلك عندما تكون الميزانيات محدودة، حيث تُدرّ في المتوسط نحو 2% من إجمالي الناتج المحلي في كل من الاقتصادات المتقدمة والنامية. وتحظى هذه الضرائب بتأييد أكبر في الاقتصادات النامية، لكنها شهدت أخيرا تراجعا في الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق الصاعدة، ويرجع ذلك أساسا إلى تآكل الإيرادات نتيجة التضخم وتغير سلوك المستهلك.

وتُدرّ الضرائب المفروضة على التدخين أكبر قدر من الإيرادات، تليها الضرائب المفروضة على المشروبات. وأما الضرائب المفروضة على المشروبات السكرية - والتي لا تزال غير شائعة نسبيا - فتُدرّ عادةً إيرادات أقل.

فكيف يمكن للحكومات أن تحقق أقصى استفادة من هذه الضرائب، سواء من حيث الدخل الضريبي أو المزايا الصحية؟ إن مجرد رفع أسعار الضرائب لن يكون كافيا: وآجلا أو عاجلا، سيلجأ المدخنون والمدمنون - بدلا من الإقلاع عن التدخين إلى بدائل غير خاضعة للضرائب أو غير مشروعة. إن تكوين فهم أفضل للمخاطر الصحية وكيفية استجابة المستهلكين والمنتجين للضرائب يمكن أن يُسترشد به في اتخاذ القرارات بشأن السياسات. وهذا يستلزم اتباع منهج شامل قائم على 3 مبادئ: حصر جميع المنتجات غير الصحية، ومواءمة أسعار الضرائب مع الضرر المحتمل على الصحة، والتعاون عبر الحدود للحد من التهرب الضريبي والتهريب.

فرض ضرائب على كل شىء

تفرض معظم البلدان ضرائب انتقائية على السلوكيات غير الصحية، لكن هناك أمثلة على وجود ثغرات كثيرة في الشبكات الضريبية. ففي منطقة هونج كونج الإدارية الخاصة، على سبيل المثال، لا تُفرض ضرائب على النبيذ إطلاقا، لكن المشروبات الروحية المقطرة تخضع لضرائب تتجاوز 100%.

وفي ساو تومي وبرينسيبي الإفريقية، يُعفى نبيذ النخيل، أحد أكثر المشروبات استهلاكا في البلاد، من الضرائب؛ بينما تخضع جميع المشروبات  الأخرى للضريبة. وفي إثيوبيا، لا تزال أوراق القات، وهي منبه ترفيهي شائع يرتبط بمشكلات صحية في الفم والقلب والأوعية الدموية والصحة العقلية، معفاة من الضرائب رغم الضرائب الباهظة المفروضة على التبغ. ومن شأن سد هذه الثغرات زيادة الإيرادات الضريبية وتحسين الصحة العامة.

تسعير الضرر

لكن على صناع السياسات التفكير بشكل أوسع نطاقا في كيفية تغيير السلوكيات غير الصحية. وفي الوضع المثالي، ينبغي أن يعكس مستوى الضرائب درجة الضرر الذي يُحتمل أن يُحدثه المنتج مع الحفاظ على الإيرادات الكلية في الوقت ذاته.

وتكمن الصعوبة في تحديد ذلك الضرر، سواءً كان مباشرا على المستهلك أو غير مباشر على الآخرين (مثل، التدخين السلبي أو القيادة تحت تأثير الكحول). ويعتمد الضرر في جزء منه على مكونات المنتج، مثل الإيثانول في المشروبات، والسكر المضاف في المشروبات المحلاة، والمواد الكيميائية السامة في منتجات التبغ، وفي الجزء الآخر على طريقة تناول هذه المواد أو مكوناتها.

ويعتمد الضرر أيضا على أنماط الاستهلاك؛ أي الكمية التي يستهلكها الناس، ودرجة تواتر هذا الاستهلاك، وما إذا كان المستهلكون يقرنوها باستهلاك ضار آخر. ويستحيل على صناع السياسات رصد هذا السلوك أو أخذه في الحسبان عند تحديد أسعار الضرائب. ولذلك، يتمثل أحد المناهج العملية في فرض ضرائب على المنتجات بناءً على كمية المادة الضارة وطريقة تناولها (مثل حرق التبغ مقارنة بتسخينه)، وذلك استنادا إلى متوسط أنماط الاستهلاك.

وهذه الفكرة ليست جديدة في المشروبات، ولكن ما تغير هو قاعدة الأدلة. إن التطور في البحوث الطبية، إلى جانب إتاحة بيانات أفضل حول العلاقة بين المواد وطرق تناولها والمخاطر الصحية المرتبطة بها، من شأنها الآن أن تجعل عملية ربط الضرائب بالضرر بشكل منهجي ومتسق أسهل.

وفي إطار إستراتيجية طويلة الأجل، يشجع أيضا هذا النظام الضريبي القائم على الضرر الموردين على تعديل محافظ منتجاتهم. ويركّز البحث والتطوير على إنتاج مجموعة كبيرة من هذه الأنواع. وبمجرد أن تتضح ملامح التوجهات الضريبية في هذا القطاع، سيتكيّف معها.

 خبير في السياسة الضريبية وأستاذ مشارك سابق في المعهد الإفريقي للضرائب ـ جامعة بريتوريا.

اقتصادي ونائب مدير سابق لإدارة التواصل في صندوق النقد الدولي.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية