في جلسة حوارية في منتدى سان بطرسبرج الاقتصادي الدولي بعنوان "أنظمة الطاقة العالمية" ظهر الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي ليحكي بعض خفايا التزامه الصمت قائلا: أعترف لكم أنني لم أكن أعرف والتزمت الصمت لأحافظ على احترامي أمام الجميع.
ففي أكبر أزمة طاقة يشهدها العالم على مر التاريخ بعد تفجر الصراع في منطقة الشرق الأوسط بقي الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الدولة الأكثر تأثيراً في أسواق النفط والرئيس المشارك لأقوى تحالف في الصناعة النفطية أوبك+ صامتاً وهادئاً ولم ينبس ببنت شفة. علل الوزير بقاءه صامتاً بأنه
"كوزير تم تعيينه ليكون هادئاً لا أن يصاب في الذعر".
ينجذب المسؤولون في الأزمات الكبرى للتصريحات العاطفية والواعدة، فموجة الأحداث وحرارتها تدفع باتجاه إطلاق التصريحات والمانشيتات البراقة رغم عدم اتضاح الرؤية وشح المعلومات المتاحة.
الوزير اختار الصمت الواعي ومارس حكمة الامتناع وهي أرقى أنواع الحكمة حيث تتطلب قوة داخلية كبيرة.
اعترف الأمير عبد العزيز علنًا بأنه لا يعرف ما سيحدث في اليوم التالي أو حتى بعد نصف ساعة وسط أحداث أزمة طاقة كبرى هزت الأسواق وأثارت الرعب في العالم، هذا الاعتراف نادر جدًا من شخص في منصب وزاري أو قيادي، معظم السياسيين والقادة يحاولون إظهار اليقين والسيطرة حتى لو كانوا يجهلون بينما اعترف الأمير بصورة لا لبس فيها أنه لا يعرف فيقول: "الصمت اعتراف متواضع بأنني لا أعرف".
واصل الوزير ترسيخ مبادئ أساسية ولكنها نادرة في القيادة بأنه فضّل الاحتفاظ بالاحترام الذي يكنّه له كثيرون وبالثقة التي اكتسبها بدلاً من التسرع بالإدلاء برأي لا يستند إلى معلومات مؤكدة.
يصف الوزير المخضرم الواقع بوجود "الكثير من الأجزاء المتحركة، تستيقظ في الصباح فتجد أن ما ظننته واقعًا أصبح حلمًا أو أمنية" وهو فهم عميق لطبيعة الواقع المتغير ونضج يبرز إدراكًا فلسفيًا لعدم اليقين في عالم معقد وسريع التغير، خاصة في مجال الطاقة وعلم الجيوسياسية.
عدم الإصرار على التنبؤات الزائفة هو ما يميز الحكيم عن المتفائل الساذج أو المتشائم المبالغ في تشاؤمه.
الوزير أعاد تعريف الصمت كقوة
فيقول أن "الصمت نوع من الكلام"و"الصمت هو اعتراف متواضع" بل يحوّل الصمت من ضعف إلى موقف أخلاقي وإستراتيجي مهم ومؤثر.
في عصر طغى فيه الاستعراض الإعلامي الذي يُكافئ الصوت العالي والتصريح المثير، اختار الأمير عبدالعزيز بن سلمان هذا الموقف العميق. إنه يذكرنا أن القيادة الحقيقية ليست في عدد التصريحات، بل في جودتها وصدقها. ففي عالم مليء بالضجيج، يصبح الصمت الواعي صوتاً أقوى.
خبير إستراتيجي في شؤون الطاقة
