الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

عندما يتساوى الذكاء الاصطناعي فأين الميزة التنافسية

محمد الماضي
الجمعة 6 مارس 2026 14:21 |3 دقائق قراءة


محمد الماضي

مع الانتشار المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي، لم يعد استخدامها ميزة بحد ذاتها. فالتقنيات الكبرى تمر بدورة اقتصادية معروفة تبدأ نادرة ثم تنتشر ثم تتحول إلى قاعدة تشغيلية عامة. الكهرباء لم تمنح تفوقا لمن أدخلها مصنعه، بل لمن أعاد تصميم عملياته حولها. والإنترنت لم يصنع الفارق لمجرد الوجود عليه، بل لمن امتلك البيانات والمنصات.

اليوم يقف الذكاءُ الاصطناعيُّ عند المرحلة نفسها. الأدوات أصبحت متاحة على نطاق واسع، ودمجها في المنتجات والخدمات بات أسرع وأقل تكلفة. ومع هذا الانتشار يبرز السؤال الاقتصادي الجوهري: إذا أصبحت جميع الشركات تستخدم النماذج الذكية، فأين تكمن الميزةُ التنافسية؟

الإجابة لا تكمن في الأداة نفسها، بل في ما يحيط بها، مثل قيمة البياناتِ التي يصعب استنساخها، والقدرة على تشغيل التقنية داخل بيئة آمنة ومتوافقة مع الأنظمة، والثقة التي تمنحها العلامة التجارية، والهيكل التشغيلي الذي يحول الإنتاجية إلى هوامش ربحٍ مستدامة بدلا من الانزلاق إلى منافسة سعرية.

وجوهر التحول يكمن في البياناتِ. فبيانات العملاء ليست مادة عامة يمكن ضخها في أي نموذج مفتوح المصدر دون مخاطرة. هي أصل تنظيمي وقانوني وإستراتيجي. امتلاك بيانات عالية الجودة ومنظمة ومحكومة بسياسات امتثالٍ صارمة يمنح الشركات القدرة على تشغيل الأدوات الذكية بثقة وتحويلها إلى قيمة تشغيلية حقيقية.

ويعزز هذا الاتجاه ما ظهر في النقاش المؤسسي حول شركة Snowflake الأمريكية المتخصصة في منصات البيانات السحابية، حيث أكدت إدارتها أن القيمة لا تأتي من النموذج نفسه، بل من تشغيله فوق بيئة بياناتٍ آمنة ومحكومة داخل المؤسسة. وتشير الأمثلة العملية إلى أن دمج الذكاءُ الاصطناعيُّ ضمن منصات بيانات خاضعة للحوكمةِ يمكن أن يقلص زمن تنفيذ المشاريع بشكل جذري، وهو ما يوضح أن الإنتاجية الحقيقية ترتبط بالبياناتِ، لا بالأدوات أو المنصات المجردة وحدها.

هذا ما تعكسه تجارب الشركات في السوق. فقد أشارت تحليلات حديثة إلى أن مخاوف انتشار الذكاء الاصطناعي ضغطت على نماذج أعمال شركات البرمجيات كخدمة المعروفة باسم SaaS، بينما استفادت شركات أعادت تصميم عملياتها حول التقنية بدل الاكتفاء بإضافتها إلى واجهة المنتج. السوق هنا لا يعيد تقييم القطاع ككل، بل يعيد توزيع الثقة بين النماذج وفق قدرتها على تحويل التقنية إلى قيمة فعلية.

وتبرز شركة Temenos السويسرية، المتخصصة في برمجيات وانظمة القطاع المالي، مثالا على هذا الاتجاه، إذ رفعت الشركة أهدافها المتوسطة الأجل وقللت من أثر مخاوف الذكاء الاصطناعي على أعمالها مؤكدة استمرار نمو الإيرادات المتكررة. الرسالة واضحة. التقنية لا تلغي الشركات تلقائيا، بل تفرز بينها. من يملك عمقا في البيانات ونموذجا قابلا لإعادة الهيكلة يستطيع تحويل هذه الموجة إلى عنصر دعم للنمو بدل أن تصبح عامل ضغط.

وفي السعودية، يتجسد هذا المعنى بوضوح في القطاعات الحساسة مثل المالية والرعاية الصحية والخدمات الحكومية، حيث يرتبط استخدام البيانات بمتطلبات حوكمةِ البياناتِ وحمايتها تقودها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي سدايا. في هذه البيئة، لا تكفي إضافة أدوات ذكية إلى الأنظمة القائمة، بل تصبح القدرة على تشغيلها داخل بنية بيانات محكومة وآمنة هي معيار التفوق الحقيقي.

المفارقة المالية أن هذه التقنية قد ترفع الإنتاجية وتخفض التكاليف في المدى القصير، لكنها إذا أصبحت متاحة للجميع فقد تتحول إلى عامل ضغط على هوامشِ ربحِ الشركات. فالتقنية المتاحة لا تخلق احتكارا، بل تولد منافسة أشد. أما التفوق الحقيقي فيقوم على أصول يصعب استنساخها مثل جودة البيانات وعمق العلاقة مع العميل وقوة البنية التحتية التي تشغل هذه القيمة وتحولها إلى نتائج قابلة للقياس. في عالم تتساوى فيه الأدوات، لا يصنع الفارق من يستخدم التقنية، بل من يملك ما لا يمكن نسخه.

كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية