السوق تراهن على حل دبلوماسي سريع لأزمة هرمز .. وتقنين الاستهلاك يتحول إلى أداة موازنة في أسواق الطاقة
تمر أزمة إمدادات النفط العالمية لأكثر من عشرة أسابيع، مع سعر خام برنت حول 105 دولارات للبرميل، دون الوصول لمستويات 2008. فقد العالم أكثر من مليار برميل منذ فبراير، مع استيعاب الصين للنقص بفضل احتياطياتها. أرامكو زادت تصدير النفط عبر خط شرق-غرب، والسوق تراهن على حل سريع للحرب الإيرانية. الأسعار ستظل مرتفعة حتى العام المقبل.
مضى أكثر من عشرة أسابيع على أشد أزمة طالت إمدادات النفط العالمية، إلا أن أسعار العقود المستقبلية، رغم ارتفاعها، لا تعكس حجم الاضطراب الحقيقي. فسعر خام برنت يحوم حول 105 دولارات للبرميل، وهو مؤلم للاقتصاد العالمي، لكنه لا يزال دون المستويات القياسية التي سُجّلت في يوليو 2008، حين وصل السعر إلى 147 دولاراً للبرميل بفعل المضاربة واتساع الفجوة آنذاك بين نمو الطلب في آسيا وركود العرض. إذا ترجمنا ذلك إلى القيمة الشرائية الحالية للدولار المعدّلة بالتضخم، فإن ذلك السعر يعادل 210 دولارات اليوم.
يُمكن قياس الأزمة الحالية بالأيام. فمنذ نهاية فبراير، خسر العالم أكثر من مليار برميل، وهو ما وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه "صدمة غير مسبوقة". وفي حين يبدو هذا الرقم مخيفاً، فإنه يعادل عشرة أيام من الاستهلاك، وهي مقاربة تحمل في طياتها أيضاً سبب عدم وصول أسعار العقود المستقبلية إلى 150 دولاراً أو 200 دولار للبرميل.
ففي عالم ما قبل الحرب، كان توازن السوق يميل نحو زيادة المعروض من النفط، وارتفاع في مستوى الاحتياطات الحكومية العالمية والمخزونات التجارية، وهو ما أبقى أسعار خام برنت المرجعي عند متوسط 68 دولاراً للبرميل العام الماضي. فهل كان ذلك كافياً لتعويض عشرة أيام من الاستهلاك؟
هناك عدة عوامل ساعدت الاقتصاد العالمي على تعويض جزء معتبر من النقص في الإمدادات الناتج عن تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز، لكن قدرتها على وضع سقف للزيادة في الأسعار تبقى محل شك دائم، خاصة دون نهاية واضحة في الأفق للحرب التي بدأت يوم 28 فبراير بهجمات أمريكية-إسرائيلية على إيران.
الصين: المستوعب غير المتوقع للصدمة
امتصّ أكبر مستوردي الخام في العالم صدمة الإمدادات الهائلة بطريقة تُخفف الضغط على الأسعار العالمية، إذ انخفضت واردات الصين من الخام المنقولة بحراً بمقدار 3.6 مليون برميل يومياً من فبراير إلى أبريل، وهو أكبر تراجع على مستوى دولة واحدة في العالم، بحسب وكالة الطاقة الدولية. غير أن باستطاعتها استيعاب هذا النقص بفضل احتياطياتها الاستراتيجية الضخمة، التي بلغت نحو 1.4 مليار برميل بنهاية 2025، أي ما يعادل نحو ثلاثة أشهر من إجمالي استهلاكها النفطي.
التقنين وخفض الضرائب: حين يُصبح الألم الاقتصادي صمام أمان للسوق
العامل الثاني هو موجة ترشيد الاستهلاك ولا سيما آسيا التي تُعاني بسبب اعتمادها على نفط الخليج. فلجأت حكومات باكستان والفلبين وسريلانكا إلى فرض أسبوع عمل من أربعة أيام. وفي أوروبا، خفّضت بعض الحكومات منها ألمانيا، إيطاليا وإسبانيا الضرائب على الطاقة لحماية المستهلكين من ارتفاع الأسعار.
وأشارت وكالة الطاقة الدولية إلى انخفاض تشغيل المصافي في العالم بنحو 5 ملايين برميل يومياً على أساس سنوي في أبريل، مع توقع انكماش الطلب العالمي على النفط بمقدار 420 ألف برميل يومياً للعام 2026 مقارنةً بالعام الماضي.
بيل فارين-برايس، الباحث الأول في معهد أكسفورد لدراسات الطاقة، يرى أن تقلص الطلب العالمي قد يستمر، خاصة مع تعذر زيادة الإمدادات بسرعة خارج نطاق دول الخليج.
خط شرق-غرب: هل أنقذت أرامكو الاقتصاد العالمي؟
مع بداية الصراع، اتجهت أرامكو السعودية إلى تحويل جزء كبير من صادراتها إلى البحر الأحمر عبر خط أنابيب شرق-غرب الذي بنته الشركة في بداية ثمانينيات القرن الماضي. نجحت أرامكو خلال أيام في بلوغ الطاقة الاستيعابية القصوى للخط، والتي تبلغ 7 ملايين برميل يومياً، يتم تصدير نحو خمسة ملايين منها من خلال ميناء ينبع.
أمين الناصر الرئيس وكبير الإداريين التنفيذيين لـ"أرامكو"، قال في مكالمة مع المحللين الأسبوع الماضي لمناقشة نتائج أعمال الربع الأول، "إن الشركة بصدد زيادة قدرة الميناء على تصدير أكثر من الكمية المتاحة حالياً".
التفاؤل: رهان السوق على حل وشيك
أما العامل الرابع فهو الرهان المستمر للسوق على أن أمد حرب إيران لن يطول لشهور عديدة، وهو ما أدى إلى عدم تجاوز أسعار خام برنت عند التسوية لأكثر من 118.35 دولار بنهاية مارس. غير أن حساسية السعر للجهود الدبلوماسية أدى إلى موجة كبيرة من التذبذب، فباتت الأرسعار تتأرجح مع كل إعلان أو خبر، إذ هبطت بحدة حين أعلن ترمب أن الاتفاق "شبه منجز"، وارتدت حين نفى الإيرانيون ذلك، وتراجعت مجدداً مع تقارير عن حدوث تقدم في مايو، وقفزت حين انهارت المحادثات. ويرى فارين-برايس أن "السوق لا تزال تراهن على حل سريع لمشكلة هرمز، حتى وإن لم يكن ثمة ما يشير إلى اتفاق وشيك".
الاحتياطيات الاستراتيجية وحوض الأطلسي: راحة حقيقية لكنها غير كافية
في غضون ذلك، يوفر الإفراج المنسق لوكالة الطاقة الدولية عن احتياطيات الطوارئ -الأكبر في تاريخ الوكالة- بعض المرونة لكنها محدودة. فحتى الثامن من مايو، أُفرج عن نحو 164 مليون برميل من أصل 400 مليون برميل أعلنت عنها الوكالة في الحادي عشر من مارس، مع تدفق مخزونات حكومية بمعدل متوسط 2.1 مليون برميل يومياً في أبريل. ومن المتوقع الإفراج عن 210 ملايين برميل إضافية حتى نهاية يوليو.
وفي موازاة ذلك، تُعزز الدول المنتجة للنفط من خارج الخليج إمداداتها فارتفعت صادرات الخام من الولايات المتحدة والبرازيل وكندا وكازاخستان وفنزويلا مجتمعةً بمقدار 3.5 مليون برميل يومياً منذ فبراير. إلا أن هذه الإسهامات لا تسدّ فجوة تقدّرها وكالة الطاقة الدولية بـ12.8 مليون برميل يومياً. ويؤكد فارين-برايس أنه "إذا تبدد التفاؤل وأثبتت الأزمة طابعها المطوّل، فإن التقنين هو العامل الأساسي الذي سيساعد السوق على التوازن".
انتهاء الأزمة لن يعيد الأسعار إلى ما كانت عليه قبلها
وحتى في حال التوصل إلى حل، من التوقع أن تظل الأسعار أعلى من مستوى 70 دولاراً للبرميل الذي كانت عليه قبل اندلاع الحرب، لأن تعافي الإمدادات سيكون تدريجياً بسبب البنية التحتية المتضررة، يقابله ارتفاع في الطلب لإعادة بناء الاحتياطيات الاستراتيجية والمخزونات التجارية المستنفدة، بحسب آمنة بكر، رئيسة قسم طاقة الشرق الأوسط في شركة "كبلر"، المتخصصة في جمع وتحليل معلومات أسواق السلع والطاقة.
قالت بكر إنه "لا يمكن إعادة الإمدادات المفقودة إلى السوق دفعة واحدة، بل سيستغرق الأمر من ثلاثة إلى أربعة أشهر على الأقل لتعود دول مثل الكويت أو العراق إلى مستويات تصدير ما قبل الحرب"، وتوقعت أن تظل الأسعار "في مستويات مرتفعة ضمن نطاق 90 دولاراً للبرميل حتى العام المقبل".
رئيس تحرير «CNN الاقتصادية» سابقا
خاص بـ"اقتصاد الشرق مع بلومبرغ"
