الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

عندما تعجز الأرقام عن قراءة المستقبل

محمد الماضي
الجمعة 1 مايو 2026 13:32 |3 دقائق قراءة

لم تعد المشكلة في الاقتصاد الحديث أنه أصبح أكثر تعقيدًا فقط، بل إنه صار يتحرك بسرعة تفوق قدرة أدوات القياس التقليدية على ملاحقته. فالمؤشرات التي اعتدنا الاعتماد عليها لعقود، من الناتج المحلي إلى الإنتاجية والبطالة والتضخم، لا تزال مهمة، لكنها لم تعد تكفي وحدها لفهم ما يحدث داخل الشركات والأسواق وسلوك الأفراد.

جزء كبير من هذه الفجوة يعود إلى أن القيمة نفسها لم تعد تُصنع بالطريقة القديمة. في الماضي، كان من السهل نسبيًا تتبع مصادر القيمة، مثل بناء مصنع، أو شراء معدات، أو ضخ استثمارات رأسمالية تظهر بوضوح في القوائم المالية. أما اليوم، فإن القيمة تتشكل في مساحات أقل وضوحًا، تبدأ من البيانات والخوارزميات والبرمجيات، وتمتد إلى سرعة اتخاذ القرار والثقة بالعلامة التجارية. وهذه كلها عناصر قد تحدد قوة الشركة وموقعها التنافسي، لكنها لا تُقاس بالدقة نفسها، ولا تظهر دائمًا في المؤشرات بالسرعة التي تتغير بها على أرض الواقع.

عندها لا تكون المشكلة في التحول نفسه، بل في قدرة المؤشرات على التقاطه. فقد تتحسن كفاءة شركة ما، وتنخفض تكاليفها، وتصبح أسرع في اتخاذ القرار، من دون أن يظهر ذلك مباشرة في الإنتاجية أو الأرباح. وقد تتغير طريقة العمل داخل مؤسسة كاملة قبل أن تعكسها بيانات التوظيف أو القوائم المالية. لذلك قد يبدو الاقتصاد في بعض المؤشرات أبطأ مما هو عليه في الواقع، لا لأن التحول غير موجود، بل لأنه لم يدخل بعد في القوالب التي اعتدنا القياس من خلالها.

لكن المسألة لا تتعلق بالإنتاج وحده، بل بطريقة التعلم نفسها. فالشركات لم تعد تتنافس فقط على من ينتج أكثر، بل على من يتعلم أسرع، ويجرب أسرع، ويصحح أخطاءه قبل الآخرين. هذه القدرة على التجربة والتكيف أصبحت جزءًا من رأس المال غير المرئي للشركات، لكنها من أصعب العناصر قياسًا. فالمؤشرات تجيد التقاط النتيجة بعد وقوعها، لكنها لا تلتقط دائمًا الحركة التي صنعت تلك النتيجة.

ولا تقف هذه الفجوة عند الشركات فقط. فالعاملون قد يشعرون بتغير طبيعة وظائفهم قبل أن يظهر ذلك في بيانات البطالة، والمستثمرون قد يسعرون إنتاجية مستقبلية لم تظهر بعد في البيانات الرسمية، والمستهلكون يحصلون يوميًا على خدمات رقمية عالية القيمة بتكلفة منخفضة أو مجانية، من البحث إلى التواصل والترفيه، بينما لا يظهر جزء كبير من هذه الرفاهية في الناتج المحلي. بمعنى آخر، هناك اقتصاد يتحرك في التجربة والسلوك والتوقعات قبل أن يتحول إلى رقم واضح في المؤشرات.

تظهر المفارقة بوضوح عندما تزداد البيانات من حولنا، من دون أن يصبح فهم الاقتصاد أسهل بالضرورة. فالبيانات قد تخبرنا بما حدث، لكنها لا تكشف دائمًا ما يتغير ببطء تحت السطح، وقد تمنحنا إحساسًا بالدقة بينما تخفي في داخلها قصورًا عن التقاط التحولات التي لم تتحول بعد إلى مؤشرات واضحة. المشكلة ليست في نقص البيانات، بل في أننا نثق بها أكثر مما ينبغي.

هذا لا يعني أن المؤشرات فقدت معناها، أو أن الاقتصاد يمكن قراءته بالانطباع وحده. لكنها تحتاج إلى قراءة أكثر حذرًا وسياق أوسع. فالناتج المحلي والإنتاجية والتضخم لا تزال أدوات ضرورية، لكنها صُممت في الأصل لاقتصاد كانت فيه القيمة أكثر مادية، والعمل أكثر استقرارًا، ودورة التغير أبطأ مما هي عليه اليوم.

أصعب ما يواجه الاقتصاد الحديث ليس غياب الأرقام، فالأرقام موجودة وربما أكثر من أي وقت مضى، بل الثقة المفرطة بها والاعتماد الزائد عليها. فعندما نستخدم أدوات صُممت لاقتصاد مختلف، فإننا لا نخطئ فقط في قراءة الحاضر، بل قد نخطئ أيضًا في استشراف المستقبل.

الاقتصاد يتغير بسرعة، وأدوات قياسه تتحرك ببطء، وبين الاثنين تتشكل فجوة قد تكون أحد أهم مصادر عدم اليقين في المرحلة المقبلة.

كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية