الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

عندما تتفوق مراكز البيانات على النفط

محمد الماضي
الجمعة 28 نوفمبر 2025 15:36 |3 دقائق قراءة


محمد الماضي

في السنوات الأخيرة، لم يعد سؤال التحول الرقمي مرتبطا بمن يملك التطبيقات والمنصات، بل بمن يمتلك البنية التحتية التقنية التي تجعل كل ذلك ممكنا. ومراكز البيانات تمثل قلب هذه البنية، وأصبحت من أهم العوامل التي ستسهم في دفع عجلة نمو الاقتصادات في المرحلة المقبلة.

فهي ليست مجرد غرف لتخزين المعلومات، بل مصانع تستهلك الكهرباء وتحولها إلى خدمات ومنتجات رقمية، وتشغل ما يرتبط بالذكاء الاصطناعي والسحابة والتجارة الالكترونية.

العالم يتجه بنهاية 2025 لإنفاق نحو 580 مليار دولار على مراكز البيانات، بزيادة نحو 40 مليار دولار على ما سينفقه على تطوير إمدادات نفط جديدة. ولأول مرة، تتفوق البنية الرقمية على النفط في حجم الاستثمار العالمي. هذه ليست مقارنة رقمية عابرة، بل إشارة إلى أن القاعدة الاقتصادية بدأت تتحول تدريجيا من الاعتماد على الطاقة الأحفورية إلى الاعتماد على مراكز البيانات كلبنة أساسية في اقتصاد الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته.

هذا التوسع في الطلب لا يسير بوتيرة هادئة، بل يقفز قفزات متسارعة. فأحمال مراكز البيانات التقليدية تنمو عالميا بمعدلات بين 20% و24% سنويا، ثم تأتي تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتضيف وحدها من 10% إلى 15% فوق ذلك، ما يدفع بعض الأسواق إلى نمو يتجاوز 30% سنويا. ولا يقف الأثر عند المراكز نفسها، بل يمتد إلى المواقع والمعدات المرتبطة بها؛ فبحسب بلومبرغ، رفعت شركة AWS التابعة لأمازون إنفاقها على مواقع ومعدات مراكز البيانات إلى نحو 64.8 مليار دولار، مقارنة بنحو 24.8 مليار دولار في 2023، في إشارة واضحة إلى حجم السباق على بناء هذه البنية عالميا.

في هذا السياق العالمي المتسارع، تتحرك السعودية من موقع مختلف عن الأسواق التقليدية. ففي الوقت الذي تصطدم فيه أوروبا والولايات المتحدة بقيود الطاقة وارتفاع تكلفة الكهرباء وشح الأراضي المناسبة للربط الكهربائي، تمتلك المملكة عوامل قوة واضحة: طاقة وفيرة قابلة للتوسع، ومساحات مناسبة لبناء مراكز ضخمة، وموقع يربط 3 قارات، مع توجه حكومي يعتبر البنية الرقمية جزءا من الأمن الاقتصادي.

بهذه التطورات، يتضح أن السعودية لا تبني مراكز بيانات لخدمة الطلب المحلي فقط، بل لترسيخ موقعها في الاقتصاد العالمي المقبل، في وقت تصبح فيه الميجاوات أهم من البرميل، وتغدو المراكز التي تحول الكهرباء إلى ذكاء عنصرا رئيسيا في معادلة النمو التي ستحدد موقع الدول في العقد المقبل.

وتكشف الاتفاقيات الأخيرة حجم هذا التوجه. ففي زيارة ولي العهد إلى الولايات المتحدة، جرى توقيع 66 اتفاقية في الذكاء الاصطناعي بقيمة 57.7 مليار دولار. وقبل ذلك، وخلال زيارة الرئيس الأمريكي للسعودية في مايو الماضي، أعلنت شركات تقنية كبرى، من بينها Google وOracle وAMD، عن استثمارات مشتركة تقارب 80 مليار دولار في التقنيات المتقدمة، ما يظهر انتقال السعودية من دور السوق المستهلكة للتقنية إلى شريك في صناعتها.

وفي خطوة تعزز هذا المسار، أعلنت شركة Qualcomm Technologies بالتعاون مع شركة هيومان التابعة لصندوق الاستثمارات العامة عن إطلاق مركز كوالكوم لهندسة الذكاء الاصطناعي داخل مقر الشركة في الرياض، بالتزامن مع تطوير مراكز بيانات بقدرة 200 ميجاوات مخصصة لنماذج الذكاء الاصطناعي عالية الكثافة. هذه القدرة تضع الرياض ضمن المدن القادرة على إطلاق خدمات ونماذج للذكاء الاصطناعي على نطاق واسع وبشكل تجاري.

أصبح العالم داخلا مرحلة تعد فيها مراكز البيانات من أبرز مسارات وفرص النمو الاقتصادي. ومع تحول تدريجي  من الاستثمارات العالمية نحو هذا القطاع على حساب قطاعات تقليدية، تتضح ملامح سباق جديد يتقدم فيه من يملك البنية الرقمية الأكثر جاهزية وموثوقية.

والسعودية اليوم تدخل هذا السباق في التوقيت المناسب وبمقومات واضحة، لتتحول مراكز البيانات إلى أحد أهم المجالات التي ستدعم نموها التقني والاقتصادي، وتعزز حضورها عالميا في مجال التقنية والذكاء الاصطناعي.

كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية