الثلاثاء, 27 أكتوبر 2026|15 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية


كين فيشر

مذكرة إلى محافظي البنوك المركزية في العالم: أوقفوا رفع أسعار الفائدة. سمح البنك الفيدرالي الأمريكي، والبنك المركزي الأوروبي، وغيرهما، لارتفاع أسعار النفط بأن يثير مخاوفهم، ما دفعهم إلى رفع أسعار الفائدة. وبحكم ربط الريال بالدولار، يفرض البنك الفيدرالي الأمريكي -بشكل غير مباشر- سياسة رفع الفائدة هذه عليكم أيضًا. قد لا يدمّر هذا الأسواق حاليًا، لكنه قد يفعل إذا لم يتوقف صناع السياسة النقدية عن هذا النهج.

فمحافظو البنوك المركزية يخشون تكرار التضخم الجامح لعام 2022، ويخشون أن تتسرب آثار ارتفاع أسعار النفط الناجم عن الحرب إلى جميع الأسعار. ويعتقدون أنه يجب عليهم رفع أسعار الفائدة لتجنب تكرار سيناريو عام 2022.

وهذا خطأ. فارتفاع أسعار النفط وحده لا يُؤدي لتضخم حقيقي. بل يُحفز استبدال المنتجات، وخفض أسعار السلع الأخرى، خاصة الكمالية. هذا هو الوضع الحالي. ولا يُعد التضخم في السعودية مثالًا معبراً هنا، لأن إنتاج الطاقة المحلي وسقوف أسعار الوقود يُخففان ضغوط الأسعار. يُعد ارتفاع التضخم في سبتمبر بنسبة 1.9% على أساس سنوي معدلًا منخفضًا عالميًا ويتماشى مع معدلات العام الماضي.

لنأخذ أمريكا مثال. فقد بلغ معدل التضخم في مؤشر أسعار المستهلك فيها 2.4 % على أساس سنوي في يناير. ووصل ذروته عند 4.2% في مايو، ثم تباطأ إلى 3.4%  في أغسطس رغم ارتفاع النفط. أما صعود سبتمبر إلى 3.7% فهو طفيف ودون ذروة مايو. وتُلاحظ اتجاهات مماثلة في كل من أوروبا وآسيا.

لذا، لا يعزى تباطؤ التضخم إلى رفع البنوك المركزية الغربية أسعار الفائدة، بل كانت أسعار النفط المحرك الأساسي لتقلبات التضخم عالميًا في 2026. وللتوضيح، بلغ مؤشر أسعار المستهلك في الولايات المتحدة -باستثناء الطاقة-%2.6 على أساس سنوي في يناير، وهو المعدل نفسه المسجل في سبتمبر وبالمثل، يبلغ معدل التضخم في منطقة اليورو حاليًا %2.3 على أساس سنوي، وهو ما يطابق مستواه في يناير. لم تتسرب آثار ارتفاع النفط إلى بقية الأسعار كما يخشون.

صحيح أن الحروب تدفع أسعار النفط لتتجاوز 100 دولار للبرميل، وتقلبات معنويات السوق تجلب معها عدم الاستقرار. لكن من الناحية الجوهرية، فإن فاعلية أي تهديد بإغلاق مضيق هرمز تتضاءل بمرور الوقت. فصادرات النفط من الشرق الأوسط تقترب حاليًا من مستويات ما قبل الحرب.

ومع مرور الوقت، ستجعل خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية وعمليات نقل النفط السرية من سفينة إلى أخرى مضيقَ هرمز بلا أهمية. وينطبق الأمر ذاته على التطويرات الجارية حاليًا؛ إذ يشير الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية إلى أن المملكة العربية السعودية قادرة على زيادة صادراتها النفطية بمقدار 3 ملايين برميل يوميًا، وذلك من خلال تحديث محطات الضخ في خط أنابيب النفط الخام (بترولاين)، إضافة إلى تحويل خط أنابيب غاز قائم حاليًا لنقل النفط الخام بأسلوب ذكي.

لذا، يجدر بمحافظي البنوك المركزية عدم القلق بشأن أسعار النفط، وتوجيه اهتمامهم نحو الشؤون الداخلية. فارتفاع الأسعار الذي حدث 2022 لم يكن بسبب الطاقة، بل كان نتيجة للتوسع في المعروض النقدي الذي أقدمت عليه تلك المصارف خلال جائحة كوفيد. وكما أوضح الحائز على جائزة نوبل، ميلتون فريدمان، قبل 60 عامًا، فإن التضخم ينجم عن وجود فائض في الأموال الجديدة التي تطارد عددًا محدودًا من السلع والخدمات. عالميًا، لا يقترب نمو المعروض النقدي بأي حال من المستويات المرتفعة التي شهدناها في أوائل العقد الحالي، والتي اتسمت بتضخم مفرط.

لذا، فإن بضع زيادات في أسعار الفائدة ليست كارثة. إذ إن هذه الزيادات ليست بالضرورة سلبية في تأثيرها. وفي الغرب، تؤثر هذه الزيادات في الإقراض بتغيير منحنى العائد — أي الفارق بين أسعار الفائدة قصيرة الأجل وطويلة الأجل. خارج نطاق المؤسسات المتوافقة مع الشريعة في السعودية، تعتمد البنوك عادةً على اقتراض ودائع قصيرة الأجل لتمويل قروض طويلة الأجل. وعندما تتجاوز أسعار الفائدة طويلة الأجل أسعار الفائدة قصيرة الأجل، تصبح القروض الجديدة مربحة. ويُسهم منحنى العائد "الحاد" في تعزيز الإقراض والنمو العالميين. أما عندما تتجاوز أسعار الفائدة قصيرة الأجل أسعار الفائدة طويلة الأجل، يصبح الإقراض غير مربح. وهذا بمنزلة تحذير كلاسيكي -وإن لم يكن دقيقًا تمامًا- من الركود.

مع بداية 2026، تجاوزت عوائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات عوائد السندات لأجل 3 أشهر بمقدار 0.54 نقطة مئوية. ورغم رفع البنك الفيدرالي الأمريكي لأسعار الفائدة، إلا أن ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل دفعها إلى 0.90 نقطة مئوية بحلول 15 أكتوبر.  واتسعت الفجوة في المملكة المتحدة من 0.74 نقطة مئوية إلى 1.23 نقطة مئوية. بينما بلغ الفارق في ألمانيا 0.86 نقطة مئوية، وفي فرنسا 2.02 نقطة مئوية. كل هذا يحفز الإقراض العالمي، وبالتالي النمو -ما يعود بالفائدة على المملكة العربية السعودية أيضًا- على الرغم من المخاوف غير المبررة من ارتفاع أسعار الفائدة.

وعليه، يمتلك محافظو البنوك المركزية مساحة كافية للمناورة. على الأقل في الوقت الراهن. غير أن هذا ينبع في الأساس من المخاوف العالمية بشأن الديون، والتي رفعت أسعار الفائدة طويلة الأجل؛ وهو أمرٌ مؤقت. لذا، ينبغي على هؤلاء المسؤولين مراقبة منحنيات العائد بدقة، والتوقف عن رفع أسعار الفائدة قبل أن تتجاوز الحدود الآمنة.

مؤسس Fisher Investments وأكبر مستشار استثماري في العالم وكاتب متخصص في أسواق الأسهم والصناديق الاستثمارية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية