تشهد الصين تحولاً في سوق السلع الفاخرة نحو السلع المستعملة بسبب تباطؤ الاقتصاد وضعف فرص العمل. منصات محلية مثل "زي زي إي آر" و"جوان جوان" تهيمن على السوق، فيما تعتمد علامات فاخرة مثل "رولكس" على توثيق الأصالة لبناء ولاء العملاء. نمو تجارة السلع المستعملة وصل بين 15% و20%، مع توقعات بتوسع السوق رغم تراجع مبيعات السلع الجديدة.
مع انقضاء موجة إنفاق امتدت 20 عاماً، بات على العلامات الفاخرة إعادة صياغة علاقتها بالمستهلكين الصينيين. وأفضل سبيل إلى ذلك هو احتضان سوق السلع المستعملة المزدهرة في البلاد.
شهدت تجارة التجزئة الفاخرة في الصين طفرة غير مسبوقة من حيث الحجم والسرعة طوال فترة ازدهارها. فعندما انفتحت البلاد على العالم في أواخر التسعينيات، وجدت ثقافة الاهتمام بالمظاهر متنفسا في اقتناء العلامات الغربية المرموقة، لتنطلق موجة توسع استمرت حتى انهيار قطاع العقارات قبل 5 سنوات. لكن فتور الاقتصاد وضعف فرص العمل دفعا المتسوق الصيني العملي إلى تجاوز تحفظاته القديمة تجاه السلع الفاخرة المستعملة، فتحول اليوم ما كان من المحرمات إلى عنوان للأناقة.
يمنح هذا التحول العلامات الراقية فرصةً واعدةً دون أن تضطر إلى دخول نشاط إعادة البيع مباشرةً، إذ تهيمن على السوق بالفعل منصات محلية متخصصة في بيع السلع المستعملة، مثل "زي زي إي آر" (ZZER)، التي يعني اسمها بالصينية "للمستعمل فقط"، و"جوان جوان" (Zhuanzhuan)، أي "مررها"، و"بويزن" (Poizon)، التي تبيع عبر الإنترنت ومن خلال متاجر تقليدية. ومع ذلك، تستطيع دور السلع الفاخرة المشاركة في هذه المنظومة وبناء علاقات مع عملاء قد يصبحون في النهاية مشترين لمنتجاتها الجديدة.
التوثيق يستقطب عملاء جدد
لا يحتاج القطاع إلى البحث مطولاً عن كيفية تطبيق ذلك، إذ توجد بالفعل آلية تحول معاملات إعادة البيع إلى أداة لبناء ولاء العملاء. فبرنامج المنتجات المستعملة المعتمدة لدى "رولكس" (Rolex SA) يتيح للوكلاء بيع ساعات مستعملة تحققت الشركة السويسرية من أصالتها، ما يعزز ثقة المشترين ويقربهم في الوقت نفسه من العلامة التجارية.
تكتسب هذه الثقة أهمية خاصة في الصين، حيث يمثل الخوف من السلع المقلدة أحد أبرز العوائق أمام شراء المنتجات المستعملة. وتمحورت أكثر من 40% من الشكاوى المتعلقة بهذه المنتجات قبل عامين حول أصالتها، بحسب جمعية المستهلكين الصينية (China Consumers Association).
ورغم استثمارات منصات إعادة البيع الضخمة في عمليات التحقق من الأصالة، يواجه حتى الخبراء صعوبة في التمييز بين المنتجات الأصلية والنسخ المقلدة متزايدة الإتقان. وهنا تتفوق العلامات الفاخرة، فمن أقدر على ضمان أصالة حقيبة يد أو ساعة من الشركة التي صنعتها؟
استخدام السلع المستعملة بوابة لاستقطاب المشترين إلى علامة تجارية يعد إستراتيجية منطقية، كما أوضح لي جاك رويزن، المؤسس المشارك لشركة الاستشارات "فورسايت بيرفورمانس بارتنرز" (Foresight Performance Partners)، ومقرها شنغهاي. ويستند ذلك إلى نهج راسخ يقوم على طرح منتجات بأسعار معقولة نسبياً، تمنح المستهلكين مدخلاً إلى العلامة التجارية دون الاضطرار إلى شراء أغلى منتجاتها. ولهذا الغرض تحديداً، افتتحت "شانيل" (Chanel)، مثلاً، متجراً للأحذية في مركز التسوق الفاخر "آي إف سي" (IFC) بمنطقة سنترال في هونغ كونغ.
الطلب يتحول نحو السلع المستعملة
قد تزداد أهمية إستراتيجية جذب العملاء عبر المنتجات الأقل سعراً إذا تعثر مجدداً تعافي سوق السلع الفاخرة في الصين، ثاني أكبر سوق عالمياً بعد الولايات المتحدة. فرغم انتعاش المبيعات في وقت سابق من العام الجاري، بعدما بلغ القطاع أدنى مستوياته في 2025، أصبحت التوقعات أكثر ضبابية. وتراجع نشاط 24 من أكبر العلامات الفاخرة، بينها "لويس فيتون" (Louis Vuitton) التابعة لـ"إل في إم إتش مويت هينيسي لويس فيتون" (LVMH Moët Hennessy Louis Vuitton SE)، و"غوتشي" (Gucci) التابعة لـ"كيرينغ" (Kering SA)، بأكثر من 10% الشهر الماضي، وفق ثلاث شركات أبحاث استطلعت "بلومبرغ نيوز" آراءها، وذلك عقب إعلان الحكومة خططاً لاسترداد إيرادات ضريبية والحد من تدفقات رؤوس الأموال إلى الخارج.
لكن ذلك لا يعني انحسار ولع الصينيين بالسلع الفاخرة. فمفهوم "حفظ الوجه"، أي الصورة التي يكوّنها الآخرون عن الشخص، يجعل التعلق برموز المكانة متأصلاً في الثقافة الصينية. ما تغير هو وسيلة إشباع هذه الرغبة، إذ يتجه المستهلكون ببساطة إلى قطع أقل سعراً، ما يبقي سوق إعادة البيع متفوقةً بفارق كبير على بقية القطاع.
وبينما انكمش الإنفاق على السلع الفاخرة الجديدة العام الماضي، نمت تجارة السلع المستعملة بنسبة تراوحت بين 15% و20%، وفقاً لشركة الاستشارات "باين آند كو" (Bain & Co)، بدعم من بائعي السلع المستعملة عبر البث المباشر. وكانت تلك أسرع وتيرة نمو منذ 2020، حين بدأت عادات الشراء تتغير. ولا تزال السوق تملك مساحةً واسعةً للتوسع، إذ لم تتجاوز حصتها 10% من إجمالي قطاع السلع الفاخرة في الصين، مقابل 35% في سوق أكثر تطوراً مثل اليابان.
سيكون تجاهل هذا التحول خطأً بالنسبة إلى دور السلع الفاخرة. فالمستهلك الصيني الذي يشتري حقيبة مستعملة من "شانيل" أو سواراً من "كارتييه" (Cartier)، يمكن أن يتحول إلى مشترٍ لقطعة جديدة أعلى سعراً عندما تتحسن أوضاعه المالية.
كما تتيح مساعدة العميل في التحقق من أصالة المنتج للعلامة فرصة بناء علاقة معه قبل دخوله أحد متاجرها بوقت طويل. ويتمثل التحدي في الوصول إلى المتسوقين حيثما كانوا، وهو ما يعني بصورة متزايدة بدء العلاقة بمنتج سبق أن امتلكه شخص آخر.
كاتبة عمود في فريق بلومبرغ أوبينيون الآسيوي، وتغطي إستراتيجية الشركات وإدارتها في المنطقة. كبيرة محرري الأعمال في شبكة سي إن إن لآسيا، ومراسلة لقناة بي بي سي نيوز ورويترز سابقا.
خاص " الشرق ـ بلومبرغ"
