بكر عبداللطيف الهبوب
بعيدًا عن الجدل الفقهي حول إخراج زكاة الفطر طعامًا أو نقودًا، تتجلى في تشريع إخراجها طعامًا أبعادٌ اقتصاديةٌ واجتماعية عميقة تكشف عن حِكمة التشريع الإسلامي في تصميم «نظام تكافلي مستدام» يحقق الأمن الغذائي، ويعيد توزيع الموارد داخل المجتمع بكفاءة لافتة. ويستند هذا التشريع إلى الحديث الشريف: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة».
هذه الصيغة الموجزة تُخفي خلفها نظامًا اقتصاديًا متكاملًا يعمل بفاعليةٍ كلَّ عام خلال فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز 48 ساعة.
لو قرأنا هذا التشريع بلغة الأرقام سنجد أنفسنا أمام تدفقٍ اقتصاديٍّ ضخمٍ يحدث بصورة تلقائية داخل المجتمع. ففي بلد مثل المملكة العربية السعودية التي يتجاوز عدد سكانها 30 مليون نسمة، يمكن تقدير عدد من تجب عنهم الزكاة بنحو 25 مليون مسلم.
ومع متوسط تقديري يقارب 20 ريالًا للفرد، فإن المجتمع يضخ ما يقارب نصف مليار ريال خلال نحو 48 ساعة فقط. وإذا قُدِّر الصاع بنحو كيلوجرامين ونصف من الأرز -وهو القوت الأكثر شيوعًا في السعودية- فإن الناتج يقارب 62 مليون كيلوجرام من الغذاء خلال فترة وجيزة.
هذه الكمية الهائلة لا تمثل مجرد صدقة فردية، بل مخزونًا غذائيًا يتجه مباشرة إلى الفئات الأكثر احتياجًا، بما يضمن وفرة الطعام في يوم العيد ويخفف أعباء المعيشة عن الأسر المحتاجة.
اقتصاديًا، يمكن النظر إلى زكاة الفطر بوصفها أقرب إلى «صندوق سيادي اجتماعي» مصغر يتجدد سنويًا؛ إذ يضخ المجتمع موارده بصورة شبه شاملة ثم يُعاد توزيعها سريعًا على الفئات الأكثر احتياجًا. واللافت أن هذا «الصندوق» يعمل بتكلفة تشغيلية محدودة للغاية، لأن المجتمع نفسه -أفرادًا وجمعيات- يتولى عملية الجمع والتوزيع، ما يجعل الأثر كبيرًا مقارنةً بحجم الموارد الإدارية المطلوبة.
كما أن اشتراط إخراج الزكاة من «قوت البلد» لأهل البلد يحمل دلالة اقتصادية مهمة؛ فهو يربط التكافل الاجتماعي بالسوق الغذائية المحلية. فتتحول زكاة الفطر إلى محفز لحركة اقتصادية موسمية تشمل الشراء والتجميع والنقل والتوزيع قبل العيد. هذه الدورة السريعة تنشط سلاسل الإمداد الغذائية وتخلق حركة اقتصادية محسوسة في السوق خلال فترة قصيرة.
ومن زاوية التوزيع، يعكس هذا النظام معادلة تكافلية واضحة؛ إذْ يسهم معظم أفراد المجتمع في الدفع بمقدار منتظم لتوجيه الموارد إلى الشريحة الأكثر احتياجًا. فحين يشارك نحو 90% من المجتمع في دعم 10% الأقل دخلًا، فإننا أمام نموذج عملي لإعادة توزيع الثروة دون بيروقراطية معقدة.
كما تتيح هذه المناسبة السنوية تنشيط المجتمع المدني، حيث تعمل الجمعيات والمبادرات المجتمعية على الوصول إلى الأسر المحتاجة والتحقق من أوضاعها، ومع تكرار هذا الجهد كل عام تتكوّن قاعدة بيانات اجتماعية متجددة للمستفيدين تساعد على فهم خريطة احتياج المجتمع وتحديثها بصورة دورية.
كما يحمل إخراج الزكاة طعامًا بُعدًا اقتصاديًا مهمًا يتعلق بالاستقرار السعري. فلو تحولت هذه الموارد إلى سيولة نقدية خلال فترة قصيرة فقد تسهم في تغذية موجات تضخم مؤقتة في بعض الأسواق. أما حين تتحول مباشرة إلى غذاء أساسي للمحتاج فإنها تحقق هدفها دون أن تضيف ضغطًا نقديًا على الأسعار.
إنَّ زكاة الفطرمنظومةٌ متجانسة تجمع بين الاقتصاد والمجتمع والأخلاق. فهي تعتمد في جوهرها على «الوازع الديني» لكونها طهرة للصائم قبل أيّ رقابة مؤسسية، كما أن إخراجها طعامًا يجعلها خاضعة لرقابة المجتمع. هذه الرقابة الذاتية والمجتمعية تخفض تكاليف الإشراف وتخلق ثقافة الالتزام والضمير الواعي.
وقد أضاف التطور الرقمي في السنوات الأخيرة بعدًا جديدًا للكفاءة التشغيلية. فقد أسهمت المنصات الخيرية الرقمية، «مثل منصة إحسان»، في تنظيم هذا التدفق الموسمي الكبير عبر توجيه الموارد بدقة أعلى نحو المستحقين وتقليل الهدر اللوجستي.
ولم يعد الأمر مجرد توزيع عيني قد يتكدس في مكان ويقل في آخر، بل أصبح مدعومًا ببيانات تساعد على تحسين التوزيع وفهم الاحتياج الاجتماعي بصورة أدق.
تكشف شعيرة زكاة الفطر عن نموذج اقتصادي واجتماعي متكامل يجمع بين إعادة توزيع الموارد وتنشيط الدورة الاقتصادية وتحقيق الأمن الغذائي في وقت قياسي. بل يختزل رمز «صاع زكاة الفطر» معنى المشاركة المجتمعية في تحقيق أثر سريع يسهم في التحضير لبهجة العيد تضامنًا وتلمسًا للاحتياج وزكاة للنفوس.
وهنا تتجلى حكمة التشريع؛ فعبقرية «الصاع» ليست في حجمه، بل في تصميمه، وفي قدرته على تحويل قيمة روحية بسيطة إلى أثر اقتصادي واجتماعي عميق ومستدام.
مستشار قانوني
