الجمعة, 9 أكتوبر 2026|26 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

تسير الصادرات العالمية من الفحم الحراري حالياً في مسار يؤدي إلى تسجيل انخفاض سنوي للعام الثاني على التوالي. ولكن بفضل اتساع الفارق السعري لمصلحة الفحم الحراري مقارنة بالغاز الطبيعي المسال -وهو الأكبر منذ 4 سنوات- يبدو أن شحنات الفحم مقبلة على انتعاش في أواخر العام.

تُتداول حالياً أسعار تصدير الفحم الحراري الأسترالي القياسي عند مستويات تقل بنحو 80% عن أسعار الغاز الطبيعي المسال المخصص للتسليم في آسيا، ما يعزز مكانة الفحم بوصفه الوقود الأقل تكلفة لتوليد الطاقة في المنطقة.

كما يمثل الربع الرابع من العام ذروة الطلب التقليدية على الفحم في آسيا، وهي الفترة التي تقوم فيها شركات المرافق بتجديد مخزوناتها استعداداً لموسم التدفئة الشتوي.

ومن شأن هذا المزيج -المتمثل في تزايد الميزة السعرية للفحم مقارنة بالوقود البديل بالتزامن مع حلول فترة ذروة الطلب- أن يدفع أحجام صادرات الفحم للارتفاع بشكل حاد خلال الأسابيع الأخيرة من العام.

وبالنسبة للمراقبين المعنيين بالمناخ والذين يأملون في رؤية تراجع دائم في استخدام الفحم، قد يمثل أي انتعاش في تدفقات الفحم في أواخر العام خيبة أمل.

ولكن بالنسبة لشركات المرافق في المنطقة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم، قد تتفوق اعتبارات الجدوى الاقتصادية لتوليد الطاقة على المخاوف المناخية في المدى القريب، ما يضمن احتفاظ الفحم بدوره المحوري في مزيج إنتاج الطاقة في أنحاء آسيا.

فارق سعري كبير

تُتداول حالياً أسعار تصدير الفحم الحراري الأسترالي (من ميناء نيوكاسل) عند مستوى 143 دولاراً تقريباً للطن المتري، أو ما يعادل نحو 5.40 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وذلك وفقاً لبيانات مجموعة "إل إس إي جي".

ويُقارن ذلك بأحدث الأسعار المعلنة للغاز الطبيعي المسال المورد إلى آسيا، والتي تبلغ نحو 25.00 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية؛ ما يعني أن الفحم الحراري عالي الجودة يقل سعره بنحو 20 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية عن الغاز الطبيعي المسال في أسواق الطاقة الآسيوية الرئيسية.

في ظل انخفاض أسعار الفحم الحراري الإندونيسي -أكبر مُصدِّر للفحم الحراري في العالم- بشكل مستمر بما لا يقل عن دولار واحد لكل مليون وحدة حرارية بريطانية مقارنة بالفحم الأسترالي، تمتلك شركات توليد الطاقة في جميع أنحاء آسيا حافزاً اقتصادياً قوياً لتفضيل الفحم على الغاز الطبيعي المسال لموسم التدفئة الشتوي المقبل.

ذروة الاستهلاك

بدأت الجهات المستوردة لوقود محطات الطاقة بالفعل في دورة إعادة تكوين مخزونات الوقود استعداداً لارتفاع الطلب على التدفئة في الأسواق الرئيسية المستهلكة للفحم، مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية. وتُظهر بيانات شركة "كبلر" المتخصصة في معلومات السلع أن هذه الدول الثلاث استوردت مجتمعة نحو 122 مليون طن متري من الفحم خلال الربع الممتد من يوليو إلى سبتمبر، وهي الفترة التي يبلغ فيها الطلب على الطاقة لأغراض التبريد ذروته في تلك البلدان.

ومع ذلك، استوردت الدول نفسها متوسطه 143 مليون طن من الفحم الحراري خلال الربع الأخير من العام (في عامي 2024 و2025)، وهي الفترة التي يصل فيها الطلب على التدفئة إلى ذروته. وهذا يعني أن إجمالي واردات الفحم للصين واليابان وكوريا الجنوبية وحدها قد يقفز بنحو 20 مليون طن خلال الربع الأخير من العام مقارنة بالربع السابق.

وبالنسبة لكبار مُصدِّري الفحم مثل إندونيسيا وأستراليا، تعني اتجاهات الاستيراد هذه عادةً أن الأشهر الأخيرة من العام تكون الأكثر نشاطاً لضمان تلبية الإمدادات المُصدَّرة لمستويات الطلب المرتفعة تلك. وتُظهر بيانات التصدير الخاصة بإندونيسيا أن متوسط ​​أحجام الشحنات خلال الربع الممتد من أكتوبر إلى ديسمبر بلغ نحو 137 مليون طن للفترة من 2023 إلى 2025، وهي الكمية الأعلى مقارنة بأي ربع آخر خلال تلك السنوات.

وفي المقابل، شحنت إندونيسيا ما يقل قليلاً عن 107 ملايين طن خلال الربع الثالث من 2026، وهو أدنى مستوى مسجل لهذا الربع منذ 2021. كما تشهد أستراليا عادةً وصول أحجام الصادرات إلى ذروتها خلال الربع الأخير، حيث بلغ المتوسط ​​نحو 55 مليون طن للفترة من أكتوبر إلى ديسمبر خلال الأعوام من 2023 إلى 2025.

وخلال الربع الثالث من هذا العام، بلغ إجمالي صادرات أستراليا 52 مليون طن. ارتفاع مرتقب إذا قامت شركات المرافق في جميع أنحاء شرق آسيا بزيادة طلبيات استيراد الفحم لتتماشى مع معدلات السنوات السابقة خلال الربع الأخير من عام 2026، فستشهد كل من إندونيسيا وأستراليا ارتفاعاً ملحوظاً في أوامر الشراء.

وفي الواقع، تُظهر بيانات شركة "كبلر"أن إجمالي أحجام الصادرات من إندونيسيا وأستراليا معاً خلال الربع الرابع بلغ في المتوسط ​​نحو 192.5 مليون طن في الفترة ما بين عامي 2023 و2025.

وقد بلغ إجمالي الصادرات من هاتين الدولتين نحو 159 مليون طن خلال الربع الممتد من يوليو إلى سبتمبر 2026؛ وبالتالي، قد تشهد هذه الصادرات زيادة تقارب 30 مليون طن خلال الربع الأخير من العام نفسه إذا تكررت الاتجاهات السابقة.وإذا تحقق هذا الارتفاع الموسمي، فإنه سيمثل تحولاً لافتاً بالنسبة لوقودٍ يُنظر إلى آفاقه طويلة الأجل على أنها في تراجع مستمر.

ومع ذلك، تكمن الميزة المستمرة للفحم في أنه ينافس بناءً على السعر لا السياسات. ففي ظل ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال ودخول الطلب على الطاقة مرحلة الذروة الموسمية، قد تخلص شركات المرافق في آسيا إلى أن المصدر الأرخص للكهرباء هو أيضاً الوقود الأصعب استبدالاً.

ورغم الزخم الكبير الذي يشهده التحول في قطاع الطاقة، فإن حركة التجارة في فصل الشتاء الحالي قد تكون بمثابة تذكير بأن التكلفة لا تزال العامل الأبرز في تحديد خيارات الوقود -أكثر من الطموحات المناخية- في أجزاء واسعة من المنطقة.

كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية