الجمعة, 4 سبتمبر 2026|21 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية


علي الجحلي

@alialjahli

أصبحت مشكلة الازدحام المروري داخل المدن الكبرى من أكثر التحديات التي تواجه الاقتصادات الحديثة، ليس فقط بسبب ما تسببه من تأخير للسكان، وإنما بسبب تكلفتها الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة. فالساعات التي يقضيها الموظفون والطلاب وأصحاب الأعمال في الطرق تمثل وقتًا مهدورًا، كما يؤدي الازدحام إلى زيادة استهلاك الوقود، وارتفاع تكاليف النقل، وزيادة الضغط على البنية التحتية.

وفي المدن السعودية، ومع النمو السكاني والاقتصادي والتوسع العمراني، تبرز الحاجة إلى التفكير في حلول جديدة لا تعتمد بصورة مستمرة على زيادة الإنفاق الحكومي على الطرق، وإنما تجعل من الطرق نفسها فرصة استثمارية يمكن أن يشارك القطاع الخاص في تمويلها وتشغيلها.

ومن هنا تأتي فكرة إنشاء طرق بديلة سريعة داخل المدن برسوم استخدام.

الفكرة لا تقوم على فرض رسوم على الطرق الحالية التي اعتاد السكان استخدامها، وإنما على إنشاء طرق أو مسارات بديلة جديدة توفر مستوى أعلى من الخدمة، مثل السرعة، وقلة التوقفات، وانخفاض الازدحام، ثم إتاحة استخدامها مقابل رسم محدد. ويظل الطريق العام المجاني متاحًا لمن لا يرغب في دفع الرسوم.

وبذلك يصبح المواطن أمام خيار واضح: إما استخدام الطريق التقليدي دون رسوم، مع احتمال تحمل وقت أطول في الرحلة، أو دفع مبلغ محدد مقابل اختصار الوقت والوصول بصورة أسرع.

وهذا النموذج يمكن أن يمثل تحولًا مهمًا في مفهوم تمويل البنية التحتية. فبدل أن تتحمل الدولة كامل تكلفة إنشاء الطريق من الميزانية العامة، يمكن أن يقوم مستثمر أو تحالف من المستثمرين بتمويل المشروع وإنشائه وتشغيله وصيانته لفترة زمنية محددة، ثم يسترد تكلفته من رسوم الاستخدام وفق عقد واضح مع الجهة الحكومية.

وتكمن أهمية هذا النموذج في أنه يحول الطريق من مجرد أصل يحتاج إلى الإنفاق المستمر إلى أصل يمكن أن يحقق إيرادات تساعد في تمويل تكلفته التشغيلية والاستثمارية.

كما يمكن استخدام التقنية بصورة كاملة في إدارة هذه الطرق. فلا حاجة إلى بوابات تحصيل أو توقف المركبات، وإنما يتم تسجيل المركبة إلكترونيًا واحتساب الرسوم تلقائيًا. ويمكن أن تتغير الرسوم بحسب وقت الاستخدام؛ فتكون أعلى في ساعات الذروة وأقل في الأوقات التي ينخفض فيها الطلب. وهذا ما يسمح بإدارة الطلب على الطريق بدلًا من مجرد استيعاب الازدحام.

والأهم أن تطبيق الرسوم يمكن أن يكون ذكيًا وعادلًا. فليس الهدف زيادة تكلفة التنقل على السكان، وإنما تقديم خيار إضافي لمن يرى أن الوقت الذي يوفره الطريق يستحق قيمة الرسم. ويمكن كذلك وضع حدود قصوى للرسوم، وتقديم اشتراكات شهرية للمستخدمين المتكررين، وإعفاء مركبات الطوارئ والنقل العام، وربما تقديم أسعار خاصة لبعض الفئات وفق السياسات التي تحددها الجهات المختصة.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن قيمة الوقت يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من تقييم المشروع. فإذا كان الطريق المدفوع يوفر على الموظف أو صاحب العمل نصف ساعة يوميًا، فإن هذه الدقائق لها قيمة اقتصادية حقيقية. وعندما تتكرر هذه الوفورات على عشرات الآلاف من المركبات، فإن العائد الاقتصادي للمدينة قد يكون أكبر بكثير من الإيرادات المباشرة للرسوم.

كما يمكن تخصيص نسبة من عوائد هذه الطرق لتطوير وصيانة الطرق العامة، أو دعم النقل العام، أو تمويل مشاريع نقل جديدة. وبذلك لا تكون الرسوم مجرد وسيلة لتحصيل الإيرادات، وإنما أداة لإعادة تدوير الأموال داخل منظومة النقل وتحسين كفاءة الإنفاق.

وقد يكون من المناسب أن تبدأ التجربة في المدن ذات الكثافة المرورية العالية، وفي المحاور التي تعاني اختناقات مزمنة، بحيث يتم اختيار عدد محدود من المشاريع ودراسة نتائجها قبل التوسع فيها.

لكن نجاح التجربة يتطلب عددًا من الضوابط، أهمها الشفافية في تحديد الرسوم، وضمان جودة الطريق المدفوع، وتحديد مدة الامتياز الاستثماري، ومنع الاحتكار، ومراقبة مستوى الخدمة، إضافة إلى التأكد من أن الطريق الجديد يمثل خيارًا حقيقيًا وليس وسيلة لفرض رسوم بصورة غير مباشرة على السكان.

إن الاستثمار في الطرق البديلة برسوم داخل المدن قد يكون أحد الحلول التي تجمع بين كفاءة الإنفاق، وجذب الاستثمار الخاص، وتحسين جودة الحياة، وتقليل الازدحام. والأهم أنه يغير طريقة التفكير في النقل الحضري: فبدل أن يكون الحل الوحيد هو بناء مزيد من الطرق بأموال الدولة، يمكن أن يصبح لدينا سوق لخدمات الطرق، يدفع فيه من يريد خدمة أسرع مقابل الحصول عليها.

كاتب اقتصادي

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية