الرئيس التنفيذي في الشرق الأوسط لأحد أكبر المؤسسات المالية اليابانية يدعو إلى التركيز على التحول الهيكلي العميق للاقتصاد السعودي بدلا من الضغوط قصيرة الأجل
الخلاصة
تشهد سوق الأسهم السعودية تحوّلاً هيكلياً عميقاً مدعوماً بتركيبة سكانية شابة وإصلاحات اقتصادية ورؤية 2030 التي حسّنت شفافية الأرباح وتنويع القطاعات. رغم التوترات الجيوسياسية وتراجع النمو المتوقع إلى 1.7%، فإن السوق تقدم فرص استثمارية جذابة مع تحسن جودة الأرباح وتوسع الاقتصاد غير النفطي، ما يبشر بعوائد سنوية مرتفعة خلال العقد المقبل.
عند النظر لسوق الأسهم السعودية واقتصاد السعودية بشكل عام، فإن التحول الهيكلي العميق الذي يواصل إعادة تشكيل المشهد الاقتصادي يبقى أكثر أهمية من ضغوط دورية قصيرة الأجل.
صحيح أن التوترات الجيوسياسية في المنطقة قد فاقمت بعض التحديات التي كانت تواجه الاقتصاد بالفعل وسط إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وضغوط السيولة، وتراجع قيم العقارات في بعض المناطق، حيث حفّض صندوق النقد الدولي توقعات النمو من مستوى متفائل بلغ 3.1% إلى 1.7%. لكن قصة التحول الهيكلي تستند إلى أسس قوية، تتمثل في التركيبة السكانية الشابة، ودولة تمضي قُدماً في مسار الإصلاح، وأسواق مالية تزداد عمقاً، واقتصاد غير نفطي آخذ في التوسع. لذلك، من الخطأ الخلط بين الجانبين، خصوصاً في ظل العوامل الداعمة القائمة حالياً وما تكشفه التجربة التاريخية.
قبل 20 عاماً، بلغت سوق الأسهم السعودية أعلى مستوى له على الإطلاق عند 20,635 نقطة، قبل أن يدخل في واحدة من أعنف موجات الهبوط في التاريخ المالي، خسر فيها مؤشر السوق الرئيسية "تاسي" (TASI) نحو 80% من قيمته. يمكن تصنيف هذا الانهيار إلى جانب كبرى انتكاسات الأسواق العالمية، مثل أزمة وول ستريت عام 1929 وما يعرف بـ عقود اليابان الضائعة.
الأسهم السعودية وتحول الأسس الهيكلية طوال تلك السنوات، ظلت المبررات الأساسية لتبني موقف حذر قائمة. أما اليوم، فإن الأسس الهيكلية التي كانت تبرر تلك الشكوك بدأت أخيراً في التحول.
لم تكن "الفقاعة العربية الكبرى" في 2005 و2006 مجرد قصة أسعار أسهم متضخمة، رغم أنها بلغت بالفعل مستويات متطرفة. فالمشكلة الحقيقية كانت أعمق، وتمثلت في هشاشة قاعدة الأرباح التي كانت تسند تلك الأسعار.
كانت أرباح الشركات متضخمة نتيجة مزيج من الدعم السخي، والتسعير الاحتكاري، والحواجز الحمائية، وغياب المنافسة الحقيقية. إذ قفز هامش صافي الربح المجمع لمؤشر "تاسي" إلى 30%، مقارنة بنحو 9% لمؤشر "إم إس سي آي" العالمي (MSCI World). وتباهت شركات الألبان، على سبيل المثال، بهوامش ربحية بلغت 20% في قطاع بالكاد يحقق أرباحاً عالمياً، مستندة إلى دعم الأعلاف والمياه والكهرباء والوقود، لا إلى كفاءتها التشغيلية.
كما تشير التقديرات إلى أن نحو ربع إجمالي الأرباح كان ناتجاً عن مكاسب الأصول، ما خلق انطباعاً زائفاً بربحية مرتفعة ومستدامة. إذ تحولت الشركات إلى قنوات لإعادة تدوير الإنفاق الحكومي نحو القطاع الخاص، دون تقديم قيمة مضافة حقيقية، مع الاستمرار في توزيعات أرباح سخية.
أثبت تبني موقف معاكس للاتجاه السائد تجاه السوق السعودية على مدى العقدين الماضيين وجاهته، لكن كثيراً من الأسباب التي بررت هذا الموقف جرت معالجتها بصورة منهجية من خلال إصلاحات مؤلمة لكنها ضرورية. ومن المفارقات أن "رؤية 2030" وجهت ضربة قاسية للوضع القائم آنذاك عبر تفكيك كثير من الاختلالات التي دعمت الربحية المصطنعة.
أرباح أكثر شفافية
أصبحت أرباح الشركات اليوم أكثر شفافية وارتباطاً بأداء الأعمال الحقيقي، ضمن بيئة أكثر تحرراً من القيود التنظيمية، يتعين فيها على الشركات المنافسة استناداً إلى جدارتها، بدلاً من الاعتماد على مواقع سوقية محمية. فبات كل ريال من الأرباح أكثر مصداقية من أي وقت مضى. وأسهم ارتفاع جودة قاعدة الأرباح، إلى جانب انخفاض الأسعار، في تقارب تقييمات الأسهم السعودية مع نظيراتها في الأسواق الناشئة، ما أوجد فرصة استثمارية أكثر جاذبية.
شهدت مكونات المؤشر تحسناً دراماتيكياً بالقدر نفسه. فقبل عشرين عاماً، كانت السوق السعودية تضم أقل من 80 شركة مدرجة، مع تركّز كبير في الشركات المملوكة للدولة بقطاعات المرافق والاتصالات والبتروكيماويات والخدمات المالية. أما اليوم، فتضم السوق أكثر من 265 سهماً موزعةً على قطاعات التكنولوجيا والرعاية الصحية والتجزئة والترفيه والخدمات اللوجستية والسلع الاستهلاكية، بما يعكس أهداف السعودية لتنويع اقتصادها.
أصبحت الإدراجات الجديدة تجلب إجمالاً شركات متخصصة تتمتع بأساسيات أقوى، ومشكلات موروثة أقل، ونماذج أعمال تركز على النمو وتتمتع بموقع يؤهلها للاستفادة من الاتجاهات الديموغرافية والتحولات الهيكلية.
إضافةً إلى ذلك، تطورت منظومة أسواق رأس المال من نموذج تمويل مركز وشديد التأثر بالدورة الاقتصادية، تهيمن عليه البنوك والحكومة والمستثمرون الأفراد، إلى نظام متطور متعدد القنوات يشمل الصناديق المؤسسية، والأسهم الخاصة، ورأس المال الجريء، ومصادر بديلة لرأس المال الخاص الباحث عن الفرص. كما يوفر رأس المال الأجنبي قدراً مهماً من الاستقرار المعاكس للدورة الاقتصادية، في حين تمنح منتجات استثمارية جديدة، مثل صناديق الاستثمار العقارية المتداولة، المستثمرين مستوى من السهولة والسيولة لم يكن متاحاً من قبل.
تطورات وتحديات
لم تُلغِ هذه التطورات جميع التحديات. فلا يزال النفط يمثل حصة أكبر بكثير مما ينبغي من الصادرات التجارية، ولا يزال الاستثمار الأجنبي المباشر دون الأهداف الطموحة، كما تظل معايير حوكمة الشركات، رغم تحسنها، أدنى من أفضل الممارسات الدولية. كذلك لا تزال جودة الإدارة، ولا سيما في المستويات الأدنى من الإدارة التنفيذية العليا، تحد من أداء المؤسسات، فيما يستمر تشتت السوق في قطاعات عدة يمكن أن تستفيد من عمليات الاندماج.
لكن هذه القضايا المتبقية لم تعد تشكل التهديدات الوجودية التي كانت تمثلها في السابق. فالمسار أصبح واضحاً، وللمرة الأولى منذ عقود، بدأت الرياح الهيكلية المعاكسة التي طبعت السوق الهابطة طويلة الأجل تفسح المجال لرياح مواتية يمكن أن تدعم دورة صعود مستدامة.
تدعم الحسابات الاسثمارية هذا التفاؤل بحجة مقنعة. فإذا استعاد "تاسي" بصورة معتدلة أعلى مستوى له على الإطلاق خلال السنوات القليلة المقبلة، فسيولد ذلك عوائد سنوية جذابة من خانتين عشريتين، تتجاوز بكثير معدلات التضخم المتوقعة والعوائد الخالية من المخاطر. ومن النادر أن نجد سوقاً رئيسية تتداول بهذا الخصم الكبير مقارنةً بذروتها التاريخية، في ظل وجود محفزات واضحة بهذا القدر للتعافي. لم تكتمل الرحلة بعد، لكن بالنسبة للمستثمرين الصبورين المستعدين لتجاوز آثار الماضي، يشير هذا التحول الاقتصادي إلى أن العقد المقبل قد يحمل مكاسب أكثر بكثير من العقدين الماضيين.
الرئيس التنفيذي لـ"نومورا لإدارة الأصول في الشرق الأوسط" (Nomura Asset Management Middle East)..
خاص بـ "الشرق بلومبرغ"
