الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

ضريبة الطموح تنمر اقتصادي

بكر الهبوب
الأربعاء 1 أبريل 2026 12:51 |3 دقائق قراءة

بكر عبداللطيف الهبوب 

ليست النهضة مجرد أرقام تُضاف إلى الناتج المحلي، أو ناطحات سحاب تعانق السحب، بل هي في جوهرها عملية زعزعة للمألوف واستفزاز لما استقر في الأذهان. ومع كل تحول اقتصادي عميق تظهر ظاهرة مألوفة في التاريخ «السخرية والتشكيك». فالتهكم كثيرًا ما يكون إشارة إلى أن المشروع بدأ يهدد مصالح تقليدية أو يكسر قوالب ذهنية راسخة.

وعندما يغيّر بلدٌ ما جلده الاقتصادي فإنه يغادر دائرة «التبعية المريحة» إلى فضاء «المنافسة القلقة»، وهناك يتحول التصفيق سريعًا إلى تشكيك، وتغدو السخرية أحد أشكال «التنمر الاقتصادي» الذي يحاول تقزيم الطموح قبل أن يكتمل.

يكشف التاريخ أن هذا النمط يكاد يكون ضريبة ملازمة لكل انتقال في موازين القوة الاقتصادية. فالأمم الصاعدة تمر غالبًا بـ3 مراحل متكررة: التقليل من شأنها، ثم التشكيك في قدرتها، ثم محاولة احتوائها عندما تبدأ في النجاح.

في العالم القديم استخدم الإغريق لفظ «البرابرة» لوصف غير اليونانيين في دلالة تقلل من شأنهم الحضاري، قبل أن تبني بعض تلك الشعوب إمبراطوريات واسعة تنافسهم. وفي العصور الوسطى، ومع ازدهار المدن التجارية في شمال إيطاليا كالبندقية وفلورنسا، نظر النبلاء الإقطاعيون إلى التجارة والتمويل بوصفهما نشاطًا «أدنى» من الفروسية والأرض، قبل أن تتحول تلك المدن إلى مراكز مالية مؤثرة في زمانها.

ومع بدايات العصر الصناعي تكرر المشهد بوضوح. فقد واجه التصنيع في بريطانيا مقاومة اجتماعية عنيفة، أبرزها حركة «اللوديين» الذين حطموا الآلات خوفًا من فقدان العمل. ولم يكن ذلك مجرد احتجاج عمالي، بل تعبيرًا عن خوف النخب التقليدية من نموذج اقتصادي يعيد توزيع القوة والثروة. وهكذا يتكرر الدرس لكل تحول اقتصادي كبير يوقظ مقاومة من النظام القديم قبل أن يرسخ النظام الجديد.

وفي العصر الحديث لم يكن صعود شرق آسيا استثناءً من هذه القاعدة. فاليابان التي تحظى صناعاتها اليوم باحترام عالمي كانت في خمسينيات القرن الماضي مادة للتندر، ووُصفت منتجاتها بأنها تقليد رخيص. ولم تكن كوريا الجنوبية بأوفر حظًا؛ إذ قوبل طموحها الصناعي بكثير من الريبة، وقيل إنَّ دولة خرجت من حرب مدمرة لا يمكن أن تنافس الاقتصادات الصناعية الكبرى. ومع ذلك تحولت تلك «الأحلام غير الواقعية» إلى قصص صعود مدروسة قامت على الانضباط المؤسسي والاستثمار في الإنسان.

ولم تكن دول الخليج بعيدة عن هذا المسار. فمنذ الطفرات التنموية في أواخر السبعينيات تعرضت القفزات العمرانية والاقتصادية في المنطقة لحملات تشكيك واسعة، وصُورت على أنها مجرد «تبذير نفطي» عابر. وتكرر التهكم على قدرة أبناء الخليج على بناء مدن حديثة أو إدارة مؤسسات عالمية مع لمزٍ متكرر بـ«البداوة والبدائية».

غير أنَّ الواقع خلال العقود التالية أثبت خلاف ذلك؛ إذْ تحولت التجربة الخليجية تدريجيًا من اقتصاد ريعيِّ محدود لنموذج يسعى للتنويع الاقتصادي وبناء قطاعات إنتاجية جديدة، حتى أصبحت السخرية ذاتها أشبه «بشهادة ميلاد» لواقعٍ اقتصاديٍّ مختلف عمَّا تصوره العالم في سبعينيات القرن الماضي.

ومع صعود الاقتصادات الجديدة تحوّل الغرب -الذي سبق أن خاض تجاربه التنموية الخاصة- إلى موقع المراقب والناقد لتجارب الآخرين. فالقوى التي تصدّرت النظام الاقتصادي العالمي لقرون تميل بطبيعتها إلى حماية موقعها، لذلك تُواجَه الاقتصادات الصاعدة غالبًا بمعايير أشد صرامة من تلك التي واجهتها القوى الصناعية في بداياتها، إذْ إن صعودها السريع يعيد طرح أسئلة محرجة حول تعثر نماذج اقتصادية أخرى.

في هذا السياق تبرز «رؤية السعودية 2030» كواحدة من أكبر مشاريع التحول الاقتصادي في العصر الحديث. فالرؤية لا تقتصر على تنويع مصادر الدخل، بل تسعى إلى إعادة تشكيل البنية الاقتصادية والاجتماعية وتحويل السعودية من مورد تقليدي للطاقة إلى لاعب مؤثر في صناعات المستقبل.

ومع ضخامة الاقتصاد السعودي وثقله الجيوسياسي ومكانته في أسواق الطاقة، يصبح من الطبيعي أنْ تخضع التجربة لقدر أكبر من التدقيق والنقد، خصوصًا أن حجم التحول وسرعة تنفيذه يجعلان السعودية تخوض عملية إعادة هندسة اقتصادية واجتماعية في زمن قياسي.

ويضاف إلى ذلك عامل جديد لم تعرفه تجارب النهضة السابقة، هو ثورة المعلومات؛ إذ تعيش الدول اليوم في عصر «التريند Trend» والشفافية اللحظية، حيث يمكن لأي تعثر محدود في مشروع أن يتحول إلى مادة للنقاش العالمي في دقائق، وهو ما لم يكن متاحًا لمنتقدي اليابان أو كوريا في زمن ما قبل الإنترنت.

إنَّ النهضة ليست لحظة احتفال عابرة، بل مسار طويل من الاختبار والمراجعة. والسخرية التي ترافقها ليست دائمًا عداءً خالصًا، بل أحيانًا علامة على أن التغيير أصبح ملموسًا بما يكفي ليقلق الآخرين. فـ«ضريبة الطموح» لا تكمن في كثرة الأصوات المنتقدة، بل في القدرة على المضي قدمًا بثبات. فالتاريخ لا يكتبه المترددون الذين ينتظرون اكتمال الصورة، بل تصنعه الأمم التي تجرؤ على رسمها … حتى لو واجهت في الطريق شيئًا من «التنمر الاقتصادي».

- مستشار قانوني

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية