كان التفاؤل سائدا مع بداية 2026، فالبنوك المركزية في مرونة تمكنها من استكمال دورة التيسير النقدي التي بدأتها في العام السابق. والشركات والأفراد والميزانيات الحكومية يبنون خططهم على اقتراض أقل تكلفة، وتضخم تحت السيطرة، واستهلاك وإنتاج قوي، واقتصاد يخرج من دوامة التباطؤ. ولكن بين ليلة وضحاها انقلب الوضع، وأصبحت البنوك المركزية عالقة لأن التضخم مدفوع بعوامل العرض، بينما لا تزال أدواتها موجهة لإدارة الطلب.
اطمئنان صانعي السياسات ورؤيتهم لأسعار الفائدة استند على فرضية استقرار أسعار الطاقة عند مستويات منخفضة، ولكن اليوم لم يعد ذلك ممكناً. فالقطاع لا يعاني فقط أسعارا ملتهبة، ولكن ظاهرة جديدة تتمثل في نقص الإمدادات، وإذا أضفنا مخاطر التأمين والشحن، ستكون التكلفة مضاعفة مقارنة بنهاية 2025. الطاقة عصب الاقتصاد، وارتفاع أسعارها يعني صدمة سعرية شاملة تمتد من المتاجر لصالات الإنتاج وليس بتذاكر الطيران. هنا يمكننا القول إن التضخم بات مرشحا لتجاوز المستهدفات والخروج عن السيطرة من جديد.
وظائف البنوك المركزية لا تقتصر على ترويض التضخم، ولكن أيضا تنشيط النمو ودعم التوظيف. وفي ظل وضع مضطرب لإمدادات الطاقة والغذاء وسلاسل توريد الصناعات، وتعطل التجارة، وانهيار الاستهلاك تحت وطأة صدمة التكاليف، وتقشف الإنفاق الحكومي، فالاقتصاد أكثر عرضة للدخول في مرحلة انكماش، قد تتطور إلى ركود يربك أسواق العمل، ويرفع البطالة ويضعف الإنتاجية.
وإضافة التوترات الجيوسياسية، والحمائية التجارية، فإننا نرى البنوك المركزية في وضع شديد الصعوبة. من ناحية هشاشة سعرية وتضخم يلتهم القدرات الشرائية في ظل صدمة الطاقة، ومن ناحية أخرى اقتصاد ما زال يتداعى من توالي الصدمات ويحتاج إلى ضخ الدماء في شرايينه عبر تكاليف اقتراض رخيصة، وتحركات حكومية لامتصاص الصدمات، وطلب استهلاكي محلي وخارجي قوي. بجانب استعادة عافية قطاع الخدمات وبخاصة السياحة والسفر في ظل قفزة تكاليف وقود الطائرات.
اختارت البنوك المركزية التريث بعد الأزمة، وقررت عدم التحرك صعوداً أو هبوطاً في ظل الضبابية في الوضع العام ومحدودية الخيارات المتاحة. في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو وإنجلترا تم تثبيت سعر الفائدة خلال آخر اجتماع، وفي رأيي سيستمر التثبيت حتى نهاية النصف الأول. وسينتظر صانعي القرار تطور البيانات الرئيسية مثل أسعار الوقود ومبيعات التجزئة، فاذا تجاوز التضخم المستهدفات بمعدلات سريعة واقتراب من تجربة 2022 فالتحرك سيكون تجاه رفع أسعار الفائدة. في حالة استقرار الأوضاع وعودة الإمدادات لمستوياتها الطبيعية فسيكون أمام البنوك هامش مناورة للتحرك لاستنئاف دورة التيسير النقدي.
في ظل وضع مضطرب كهذا، يكون للتنسيق بين النقديين والماليين أهمية كبيرة لتحقيق الأولويات. فالتشديد النقدي يحتاج إلى انضباط وكفاءة مالية في الإنفاق، والتيسير يتطلب استثمار وإنفاق ودعم حكومي موجه لتنشيط الطلب والإنفاق الاستهلاكي. ولكن هناك استثناءات, وبخاصة عندما تكون هناك صدمة في جانب العرض، فالسياسة المالية حتى في حالة رفع أسعار الفائدة، لا بد من تركيزها على زيادة الإنفاق لدعم القطاعات الأكثر تضرراً، أو تحمل جزء من فواتير الطاقة للمستهلكين. فالسياسة النقدية وحدها لا تستطيع التعامل مع صدمات الإمدادات، وبالتالي يجب أن تتحمل السياسة المالية جزءا أكبر من العبء.
ختاماً تجد البنوك المركزية نفسها بين مطرقة التضخم وسندان الاقتصاد وأسواق العمل، فكلاهما ذوا أولوية ويترتب عليه تداعيات اقتصادية وسياسية واجتماعية مهمة. لذلك فصناع السياسات في ما يشبه الوضع الجراحي، الذي يحتاج إلى أدوات دقيقة وقرارات سريعة وتحركات محسوبة تخدم الأسواق، تحجم التضخم ولا تكبل الاقتصاد على الأقل في المدى القصير. سياسات سيكون عليها التكييف مع أوضاع جيوسياسية واقتصادية وتجارية مضطربة على طول الخط وليس كحدث عرضي.
مستشارة اقتصادية
