الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية


د. بكر عبداللطيف الهبوب

عندما يتحدث العالم عن "الفعاليات الكبرى Mega Events"، تتجه الأنظار عادةً إلى كأس العالم أو الألعاب الأولمبية؛ أحداثٌ تستقطب مئات الآلاف أو ملايين الزوار خلال أسابيع محدودة، وتُحشد لها الموارد وتُبنى لها المنشآت وتُسخّر لها المؤسسات. غير أن هناك تجربة مختلفة تمامًا؛ تجربة لا تمتد أسابيع، بل قرابة 3 أشهر متصلة من الاستعداد والاستقبال وإدارة التدفقات البشرية والخدمية. إنِّها "تجربة موسم العمرة والحج" التي تبدأ مع رمضان، وتتسارع مع موسم العمرة، قبل أن تبلغ ذروتها في الحج.

في ظاهره، يبدو الحج شعيرةً تؤدى في أيامٍ مَعْدُودَاتٍ، لكنّه في حقيقته أحد أعقد مشاريع التشغيل البشري المستدامة في التاريخ. فالسعودية لا تدير حدثًا موسميًا عابرًا، بل تتولى رعاية تجربة إنسانية متواصلة يعود عمرها إلى أكثر من 4 آلاف عام، مقدمةً اليوم أكثر صورها نضجًا وكفاءةً ضمن منظومة تستحق أن تحمل ختم "صُنع في السعودية".

ولفهم هذه التجربة، لا يكفي النظر إلى الحاضر. فالبداية كانت بدعاء الخليل إبراهيم عليه السلام ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. في هذه الكلمات وُلد أكبر تدفق بشري طوعي ومستدام عرفه التاريخ. لكن التدفق وحده لا يكفي؛ فجاءت الدعوة الملازمة له ﴿وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ﴾ لتضع الشرط الملازم لاستمرار هذا التدفق؛ الإمداد. الأولى تجذب البشر، والثانية تجذب الموارد. الأولى تصنع الحركة، والثانية تضمن استمرارها. وبين هاتين الآيتين تشكلت معادلة استثنائية ظلّت عبر القرون عرضةً لتقلبات السياسة وشح الموارد والمكوس والإتاوات التي أثقلت الحجاج في مراحل مختلفة من التاريخ.

وقد فاقم الكساد الكبير للاقتصاد العالمي عام 1929، وتراجعُ وانقطاع موارد الأوقاف التاريخية التي ظل الحج يعتمد عليها عبر قرون، وتعثرُ استجابة دول العالم الإسلامي لدعوة الملك عبدالعزيز للمشاركة في تحمل أعباء الإدارة والتطوير، من تحديات تمويل الحج وإدارته. عندها انبرى المؤسس -رحمه الله- متحمّلًا مسؤوليةً كانت تتقاسمها عبر القرون قوىً ودول وأوقاف امتدت على رقعة العالم الإسلامي، واضعًا خدمة الحجاج فوق الحسابات المالية الضيقة، وملغيًا الأتاوات التي فُرضت في العهد العثماني، ومعتمدًا سياسة تقشف صارمة بدأت من بيته وموكبه الشخصي، ومؤجّلًا المشاريع الإنشائية الكبرى غير العاجلة، ومركزًا جهوده على إنجاح الحج بوصفه أولوية لا تقبل المساومة.

ولم يكن ذلك رهانًا على وفرة الموارد، بل التزامًا بالمهمة مهما كانت الكلفة. ليفتح الله خزائن الثروة النفطية على الملك المؤسس الذي سخّر الثروة في خدمة الرسالة، لا الرسالة في خدمة الثروة؛ فأصبحت موارد الدولة وقودًا لأكبر برامج التوسعة والتطوير في تاريخ الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة. ولهذا فإن ما يُنفق على خدمة الحجاج والمعتمرين اليوم يعادل ميزانيات دول.

وتتفرد هذه التجربة كذلك بطبيعة التحدي الذي تواجهه. فالحج لا يقبل التأجيل أو إعادة الجدولة أو تغيير النطاق الجغرافي. كما أن الحشود التي يستقبلها ليست جمهورًا ساكنًا، بل ملايين البشر القادمين من أكثر من 180 ثقافة وخلفية مختلفة، يتحركون في أوقات متقاربة نحو وجهات محددة ضمن مساحة محدودة.

ولهذا تختلف فلسفة الاستثمار فيها عن كثير من الفعاليات العالمية التي تُشيّد لها منشآت ضخمة لخدمة حدث مؤقت ثم تواجه لاحقًا تحديات انخفاض الاستخدام. أمَّا في مكة والمدينة والمشاعر المقدسة، فترتكز المنظومة على أصول حية ذات جاهزية مرنة، حيث تواصل المطارات والقطارات والطرق وشبكات الخدمات أداء دورها طوال العام، لتتحول البنية التحتية من تكلفة موسمية إلى أصل دائم ومتجدد الأثر، لا إلى "فيلة بيضاء White Elephants" تنتهي وظيفتها بانتهاء الحدث.

غير أنَّ الفارق الأعمق يكمن في طبيعة ما يُدار. فالعالم أتقن نقل البضائع عبر القارات، لكن إدارة حركة البشر أكثر تعقيدًا بكثير. وفي موسم الحج تتقاطع في لحظة واحدة وظائف المطار العالمي، وشبكة النقل الجماعي، وسلسلة الإمداد، والمنظومة الصحية، ومركز القيادة الأمنية، ضمن عملية تشغيلية متصلة لا تتوقف.

وهنا تنجح السعودية في صياغة تجربة تنظيمية تتجاوز اختلاف اللغات والثقافات، وتحوّل هذا التنوع الهائل إلى حركة منضبطة تسير بإيقاع واحد. واليوم تُدار هذه المعادلة التاريخية بمنظومة مؤسسية متقدمة، فيعود الحاج أو المعتمر إلى بلده حاملاً تجربةً عاشها بنفسه، لا روايةً نُقلت إليه.

إنَّ عبارة "صُنع في السعودية" لا تصف هنا منتجًا أو مشروعًا، بل تجربةً حضاريةً متفردةً نجحت في تحويل الشوق إلى حركة، والحركة إلى منظومة، والمنظومة إلى أعظم الاستثمارات غير الربحية في تاريخ البشرية. وهي في جوهرها امتدادٌ لنداء إبراهيم عليه السلام الذي ما زال يجمع أفئدة الناس إلى هذا المكان المبارك، بما يؤكد أنَّ الإرث الإبراهيمي ليس مجردَ عنوانٍ تاريخيٍّ أو سياسيٍّ، بل رسالةٌ مقدسةٌ حُفظت مقاصدها واستمر أثرها، مصداقًا لقوله تعالى ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

 مستشار قانوني

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية