تقف سوق العمل السعودية أمام مرحلة فارقة؛ فمع اقتراب الاقتصاد من استكمال مستهدفات رؤية 2030، تتجه الأنظار إلى أفق 2040، حيث يتشكل اقتصاد تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي والأتمتة، وتزداد فيه الحاجة إلى قوى عاملة عالية المهارة. لم يعد التحدي في عدد السعوديين المُوظَّفين، بل في نوعية الكفاءة الوطنية القادرة على إنتاج القيمة وقيادة اقتصاد المستقبل.
منذ تأسيس صندوق تنمية الموارد البشرية «هدف» عام 1421هـ، أدى الصندوق دورًا محوريًا في دعم التوظيف وخفض البطالة من مستويات تجاوزت 12% في أوائل الألفين إلى نحو 4.8% في 2025. لكن التحول الهيكلي في السوق كشف عن فجوة لا تعالجها أدوات التوظيف التقليدية، هي فجوة الخبرة الأولى.
فالمنشأة تريد خريجًا بخبرة سنتين أو ثلاث، والخريج لا يستطيع اكتسابها دون فرصة البداية. ومع تكلفة التدريب ومخاطر التسرب، تميل المنشآت إلى استقدام الخبرات الجاهزة، بينما قد يتحول توظيف المواطن لدى بعض المنشآت إلى استجابة لمتطلبات «نطاقات» أكثر منه استثمارًا في بناء مسار مهني منتج.
وتبدو الفجوة أشد لدى خريجي المعاهد التقنية والدبلومات الفنية. فهذه الفئة قد تمتلك تأهيلًا مهنيًا جيدًا، لكنها تفتقد المحطة التي تحول التدريب إلى خبرة تشغيلية حقيقية. فالمنشأة تتحفظ على تحمل تكلفة التجربة الأولى، والخريج لا يجد فرصة تتيح له اجتيازها، فتستمر الفجوة رغم توافر المهارة ووجود احتياج إليها.
ولا يكفي توسيع وكالات التوظيف والتشغيل التقليدية «Staffing Agencies» التي تهيمن على جانب من سوق التوظيف، لأنها تعمل بمنطق الهامش التجاري وتميل إلى المرشح الجاهز. وفي المقابل، تبقى برامج التدريب المدعوم مثل «تمهير» مرتبطة بقرار المنشأة المستضيفة بشأن التوظيف بعد التدريب، ما يحد من قدرتها على ضمان انتقال المتدرب إلى وظيفة مستقرة. أمَّا المسارات النوعية التي توفرها جهات كبرى مثل أرامكو وسابك وصندوق الاستثمارات العامة والبنك المركزي وهيئة السوق المالية وغيرها، فتبقى مهمة، لكنها لا تستوعب وحدها حجم الاحتياج الوطني.
هنا تظهر الحاجة إلى مسار مستدام يجسده مقترح تأسيس «جسر»، بوصفه منشأة غير ربحية لتوليد الوظائف، تتوسط بين القطاع العام والقطاع الخاص والقوى العاملة، وتتبنى نموذج التدريب والتوظيف والإعارة ثم الانتقال إلى التوظيف الدائم. «Train–Hire–Deploy». فالفكرة ليست إنشاء جهة تدريب جديدة، بل نقل مخاطرة التجربة الأولى من المنشأة إلى كيان متخصص يتولى إدارتها وتمويلها وقياس نتائجها.
يبدأ المسار بتوظيف الخريج رسميًا لدى «جسر» بعقد مسجل في التأمينات الاجتماعية، ثم تأهيله وفق احتياجات منشأة محددة، ببرنامج تدريبي تتناسب مدته ومحتوياته مع طبيعة القطاع والمهارات المطلوبة، قبل إعارته للعمل في بيئة تشغيل حقيقية.
وتتحمل المنشأة رسم الإعارة وفق معادلة مرنة تراعي طبيعة القطاع وتغطي تكاليف إدارة البرنامج، فيما يقدّم «هدف» دعمًا مرحليًا متناقصًا لتكاليف التأهيل، بما يوزع الأعباء والمخاطر بين الأطراف، ويحفّز المنشآت على إتاحة الفرصة للكفاءات الوطنية الناشئة. وعند ثبوت الكفاءة، ينتقل الموظف نهائيًا إلى المنشأة.
وهكذا تتحول فترة التجربة من مخاطرة يتحفظ صاحب العمل على تحملها إلى قناة لإنتاج الخبرة، ويتحول التوطين من مجرد استيفاء لمتطلب نظامي إلى استثمار في أصل بشري منتج وقابل للنمو.
وهذا النموذج ليس افتراضًا نظريًا. ففي بريطانيا حققت شركات مثل mthree وFDM Group معدلات تحويل إلى التوظيف الدائم تتجاوز 70–80% عبر تدريب الخريجين ثم إعارتهم لمدة 12 إلى 18 شهرًا. وفي أستراليا استخدمت منظمات GTOs نموذج الإعارة لتأهيل خريجي الدبلومات الفنية، مع معدلات تحويل تتجاوز 65%. وفي سنغافورة مزجت Workforce Singapore بين دعم التدريب والإعارة والحوافز الحكومية، بينما قدمت Magnet في كندا نماذج للجسر المهني إلى وظائف متخصصة في قطاعات حكومية وغير ربحية.
وتتضاعف قيمة النموذج إذا بُني على مسارات متخصصة بدلًا من وكالة توظيف عامة، تستهدف فجوات محددة في الأمن السيبراني، وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، والمحاسبة والامتثال والحوكمة، والخدمات اللوجستية، والصناعة والطاقة. وبذلك يتلقى الخريج تأهيلًا مرتبطًا بمهام فعلية وأدوات مستخدمة في بيئة العمل، وينتقل إلى الوظيفة بمهارات قابلة للقياس، لا بمجرد شهادة إضافية.
ويحتاج «جسر» إلى بيئة تنظيمية تجريبية مرنة «Regulatory Sandbox» تنظم الإعارة والانتقال، وتحدد مسؤوليات الأطراف، وتوفر حوافز للمنشآت، وتعالج المتطلبات النظامية المرتبطة بالعقود والتأمينات والإعارة واحتساب العامل ضمن مستهدفات التوطين.
كما ينبغي أن يرتبط نجاح الصندوق بمؤشرات الاستبقاء والإنتاجية والتدرج المهني، لا بعدد الملتحقين وحده. ويمكن أن تمتد المنظومة لاحقًا إلى إعادة التأهيل ورفع المهارات «Reskilling & Upskilling»، لإعادة توجيه الكفاءات القائمة من المهن التقليدية إلى وظائف المستقبل.
بهذا ينتقل التوطين من التركيز على استيفاء نسب التوظيف إلى بناء منظومة لتوليد الكفاءة الوطنية. ويغدو «جسر» حلقة وصل بين التعليم وسوق العمل، واحتياجات المنشآت وطموحات الخريجين، والدعم الحكومي والاستثمار في رأس المال البشري. وعندها تتحول الوظيفة السعودية من متطلب نظامي إلى قيمة اقتصادية مضافة، ويُقاس أثر التوطين بإنتاجية الكفاءات الوطنية ونموها واستدامتها، لا بعدد الوظائف وحده.
مستشار قانوني
