يُحسب لهيئة السوق المالية قرارها الأخير بوضع سقف للاستثمارات الخارجية لصناديق أسواق النقد العامة، بحيث لا تتجاوز 5 % من صافي أصول الصندوق. هذا القرار في تقديري، يتجاوز كونه تنظيماً فنياً لاستثمارات فئة من الصناديق، إلى كونه خطوة في اتجاه أكثر اتساقاً مع حوكمة السيولة المحلية، وتعزيز قدرة السوق المالية والقطاع المصرفي على الاستفادة من الأموال المدارة داخل المملكة، مع تقليص التعرض لمخاطر لا ترتبط بالاقتصاد المحلي ولا تضيف بالضرورة قيمة تتناسب مع حجم الأموال الخارجة.
وتبرز أهمية القرار عند النظر إلى حجم هذه الصناعة. فوفق أحدث البيانات، تبلغ أصول 58 صندوقاً عاماً لأسواق النقد نحو 136.5 مليار ريال، منها 48 صندوقاً مقوماً بالريال بإجمالي أصول يقارب 132.52 مليار ريال، و10 صناديق مقومة بالدولار بأصول تقارب 1.07 مليار دولار. كما تتسم الصناعة بدرجة مرتفعة من التركز؛ إذ تبلغ أصول أكبر ثلاثة صناديق نحو 80.5 مليار ريال، بينما تستحوذ أكبر عشرة صناديق على النسبة الأكبر من الأصول. وهذه الأرقام وحدها توضح أن أي تغيير، ولو كان محدوداً، في سياسة توزيع أصول هذه الصناديق يمكن أن تكون له انعكاسات ملموسة على حركة السيولة المحلية.
القرار ألزم الصناديق بألا تتجاوز استثماراتها الخارجية 5 % من صافي الأصول، مع منح فترة تصل إلى سنتين لتصحيح الأوضاع القائمة، وفترة أقصر للصناديق التي تتجاوز استثماراتها الخارجية 20 %، إضافة إلى اشتراط أن تكون الأطراف الخارجية ذات تصنيف ائتماني بدرجة استثمارية صادر عن وكالة تصنيف ائتماني مرخص لها. وبناءً على إجمالي الأصول الحالي البالغ نحو 136.5 مليار ريال، فإن نسبة 5 % تعادل نظرياً نحو 6.8 مليار ريال كحد أقصى للاستثمار الخارجي إذا بقي حجم الأصول عند مستواه الحالي. غير أن ذلك لا يعني انتقال الفرق إلى الداخل، إذ إن جزءاً كبيراً من أصول هذه الصناديق مستثمر محلياً بالفعل. ومن ثم فإن حجم السيولة التي سيعيد القرار توجيهها إلى السوق المحلية يتوقف على حجم الاستثمارات الخارجية الحالية التي تتجاوز النسبة الجديدة المقررة.
ومن زاوية الحوكمة، يحمل القرار رسالة مهمة تتعلق بكيفية إدارة السيولة الوطنية. فالحوكمة لا تعني فقط الإفصاح والرقابة وتشكيل اللجان، بل تشمل كذلك وضع حدود واضحة للمخاطر، وتحديد مستوى التعرض المقبول جغرافياً وائتمانياً، وربط قرارات إدارة الأصول بالمصلحة الاقتصادية الأوسع دون الإخلال بحقوق المستثمرين. وتحديد سقف للاستثمار الخارجي، واشتراط جودة ائتمانية مناسبة للأطراف الخارجية، يمثلان نموذجاً عملياً لتطبيق مفهوم شهية المخاطر على مستوى قطاع كامل، ويجعلان إدارة السيولة أكثر قابلية للرقابة وأقل تعرضاً لصدمات خارجية قد يصعب التحكم فيها.
أما اقتصادياً، فإن إعادة توجيه جزء من هذه الأموال إلى الداخل يمكن أن ترفع الطلب على الودائع والمرابحات وأدوات الدين والصكوك المحلية، وتوفر للبنوك والمؤسسات المالية قاعدة سيولة أوسع، كما قد تسهم في زيادة عمق سوق الدين ودعم قدرة الشركات والجهات المصدرة على الحصول على التمويل. وتسمح لائحة صناديق الاستثمار لصناديق أسواق النقد بالاستثمار في صفقات سوق النقد وأدوات الدين والودائع البنكية وغيرها من الأدوات المحددة تنظيمياً، ما يعني أن الأثر المباشر للقرار سيكون واضحاً في منظومة السيولة والتمويل المحلية.
وعند الحديث عن سوق الأسهم، ينبغي التمييز بين الأثر المباشر وغير المباشر. فصناديق أسواق النقد ليست صناديق أسهم، وبالتالي ليس من الدقة القول إن الأموال التي ستخفض من الخارج ستنتقل مباشرة إلى شراء الأسهم المدرجة. لكن زيادة السيولة داخل النظام المالي، وتحسن قدرة البنوك على التمويل، وزيادة عمق سوق الدين، وتقليل خروج الأموال قصيرة الأجل، جميعها عوامل تدعم البيئة الاستثمارية للسوق. كما أن وجود سيولة محلية أكبر قد ينعكس تدريجياً على شهية المؤسسات للاستثمار، وعلى قدرة الشركات المدرجة على التمويل والتوسع، وبالتالي على نتائجها وتقييماتها في الأجل المتوسط.
ويكتسب القرار بعداً إضافياً في ظل الظروف الجيوسياسية العالمية وما تشهده من مستويات مرتفعة من عدم اليقين. فبقاء نسب كبيرة من أموال المستثمرين المحليين في أسواق خارجية لا يرتبط فقط بمخاطر العائد أو أسعار الفائدة، وإنما يضيف مخاطر العملة والسيولة والطرف المقابل والتغيرات التنظيمية، فضلاً عن احتمالات القيود على التحويلات أو اضطراب الأسواق عند تصاعد التوترات. وقد أكدت الأزمات المتعاقبة أن الأصول التي تبدو شديدة السيولة في الظروف العادية قد تصبح أكثر تعقيداً عند الأزمات، وأن التنويع الجغرافي لا يعني بالضرورة انخفاض المخاطر إذا كانت الصدمات تنتقل سريعاً بين الأسواق.
وفي المقابل، لا يعني ذلك إغلاق الباب أمام الاستثمار الخارجي أو تجاهل فوائده في التنويع وتحسين العائد؛ فالقرار نفسه أبقى هامشاً بنسبة 5 %، وهو ما يعكس توازناً بين الاستفادة من الفرص الخارجية والمحافظة على الجزء الأكبر من السيولة داخل الاقتصاد المحلي. والتحدي الآن أمام مديري الصناديق هو إيجاد أدوات محلية تتمتع بالسيولة والجودة والعائد المناسب، وهو ما يمكن أن يشجع بدوره على تطوير منتجات جديدة وتوسيع سوق الصكوك وأدوات الدين قصيرة الأجل.
في المحصلة، يمثل القرار خطوة تنظيمية موفقة في توقيتها واتجاهها، لأنه ينقل النقاش من سؤال: أين تحقق الصناديق عائداً أعلى؟ إلى سؤال أوسع: كيف نحقق عائداً مناسباً في إطار مخاطر منضبطة، ونستفيد في الوقت نفسه من السيولة الوطنية في دعم الاقتصاد والسوق المالية؟ ومع نمو أصول صناديق أسواق النقد إلى أكثر من 136 مليار ريال، فإن حوكمة وجهة هذه الأموال لم تعد مسألة تخص مديري الصناديق وحدهم، بل أصبحت جزءاً من كفاءة إدارة السيولة في الاقتصاد الوطني.
أكاديمي متخصص في الحوكمة والمسؤولية الاجتماعية للشركات
