الثلاثاء, 22 سبتمبر 2026|9 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية


آندي هوم

تعمل صدمة أسعار النفط الناجمة عن الحرب المتعلقة بإيران على إعطاء زخم جديد لسوق السيارات الكهربائية، حيث تحفز الأسعار المرتفعة للبنزين والديزل طلب المستهلكين على البدائل. لقد أصبحت العوامل الاقتصادية محركاً قوياً لمبيعات السيارات الكهربائية يضاهي في تأثيره الدعم الحكومي والتوجهات البيئية، ولا سيما في البلدان الأكثر عرضة لتأثر إمدادات النفط والغاز القادمة من منطقة الخليج. ولهذا الأمر تداعيات هائلة على كل من سوقي النفط والمعادن، وخصوصاً فيما يتعلق بالمواد الأساسية الداخلة في صناعة السيارات الكهربائية مثل الليثيوم والنيكل والنحاس.

كان المستثمرون المتفائلون بأسواق المعادن قد فقدوا اهتمامهم بقصة السيارات الكهربائية قبل عامين، بعد أن خيب الواقع الآمال التي أثارتها الضجة الإعلامية الأولية؛ إذ تحول الاهتمام الآن نحو أنظمة تخزين الطاقة المرتبطة بالشبكات الكهربائية ومراكز البيانات باعتبارها المحاور الأبرز للنقاش في أسواق الليثيوم والنحاس على التوالي. غير أن الحروب الدائرة في كل من الشرق الأوسط وأوكرانيا تعمل كمحفزات قوية لتسريع وتيرة ثورة النقل الأخضر.

تناقضات حادة

على السطح، يبدو وكأن شيئاً لا يذكر يحدث في قطاع السيارات الكهربائية؛ فقد نمت المبيعات العالمية لمركبات الطاقة الجديدة بنسبة 4% فقط على أساس سنوي خلال الفترة من يناير إلى أغسطس، وذلك وفقاً لبيانات شركة الاستشارات "بنشمارك مينيرال إنتليجنس". إلا أن معدل النمو المتواضع هذا يخفي وراءه تفاوتاً كبيراً بين الأسواق الإقليمية. فقد أدى إلغاء الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لبرنامج الدعم الذي أقره سلفه إلى تراجع حاد في قطاع السيارات الكهربائية بالولايات المتحدة؛ إذ انخفضت المبيعات في أغسطس 33% على أساس سنوي، ما رفع نسبة الانكماش منذ بداية العام وحتى ذلك الحين إلى 21%.

وقد عاد مصنعو السيارات الأمريكيون للتركيز مجدداً على المحركات التقليدية، ملغين بذلك استثمارات كانت مخططة لإنتاج طرازات كهربائية جديدة وتطوير سلاسل توريد البطاريات. وتُعد الصين نقطة ضعف أخرى؛ فقد شهدت أكبر سوق للسيارات الكهربائية في العالم انكماشاً في المبيعات بنسبة 12% على أساس سنوي خلال الفترة الممتدة من يناير إلى أغسطس.

ولكن ينبغي النظر إلى هذا الأمر في سياق تراجع أوسع نطاقاً في سوق المركبات المحلية، حيث سجل إجمالي مبيعات سيارات الركاب انخفاضاً بنسبة 24% على أساس سنوي في  أغسطس.

لقد أظهر قطاع السيارات الكهربائية أداءً جيداً نسبياً، حيث سجل معدل انتشار مركبات الطاقة الجديدة مستوى قياسياً جديداً بلغ 65% في الشهر الماضي. ولا يبدو أن شركات السيارات الصينية تشعر بقلق كبير حيال ذلك؛ فهي تصدّر كميات قياسية من السيارات الكهربائية إلى بقية أنحاء العالم.

فقد قفزت المبيعات في أوروبا بنسبة 36% على أساس سنوي في شهر أغسطس، وبلغ معدل النمو منذ بداية العام 29%، مدفوعاً باقتران ارتفاع أسعار الوقود ببرامج الدعم الحكومي. غير أن النمو الأكثر إثارة للإعجاب يحدث خارج الأسواق الثلاث الكبرى؛ إذ تضاعفت مبيعات السيارات الكهربائية في بقية دول العالم حتى الآن هذا العام، وفقاً لبيانات مؤسسة "بي إم آي".

ضغوط التكلفة

من منظور إجمالي تكلفة الملكية، حققت السيارات الكهربائية التي تعمل بالبطاريات بالفعل تكافؤاً سعرياً مع السيارات التقليدية التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي في الصين، وذلك وفقاً لمحللين في شركة الاستشارات "وود ماكنزي" (Wood Mackenzie). وتسهم التدفقات الكبيرة للصادرات الصينية منخفضة السعر -في ظل ارتفاع أسعار البنزين- في تقليص الفجوة السعرية بسرعة في أسواق آسيوية أخرى.

ولكن، وبالقدر نفسه من الأهمية، فإن تصورات المستهلكين تتغير؛ فبالنسبة إلى الكثيرين، لم يعد شراء سيارة كهربائية التزاماً بقضايا البيئة، بل أصبح خياراً اقتصادياً.

وقد وضعت "وود ماكنزي" نموذجاً لما تطلق عليه سيناريو "الصدمة الكهربائية"، حيث تؤدي أسعار النفط المرتفعة إلى تسريع تبني المستهلكين للمركبات التي تعمل بالبطاريات، وتحفيز الحكومات على إعطاء الأولوية لهذا المشروع.

ومع التحسن المستمر في أداء البطاريات وانخفاض تكاليف السيارات الكهربائية، قد يحدث تحول هيكلي في سوق سيارات الركاب أسرع بكثير مما كان متوقعاً. وكلما طال أمد الحرب في إيران واستمرت أوكرانيا في استهداف مصافي النفط الروسية، زاد احتمال تحقق هذا السيناريو.

ضغوط على قطاع المعادن

إذا كان قطاع السيارات الكهربائية يتجاوز مرحلة النمو البطيء، فإن ذلك سيعني مزيداً من الضغط على سلاسل توريد المعادن التي تعاني أصلاً من ضغوط كبيرة. وتقدّر "وود ماكنزي" أن كميات المعادن ستكون كافية لتلبية الطلب -حتى في حال تسارع وتيرة الطلب على السيارات الكهربائية- ولكن (وهنا تكمن عقبة كبيرة) شريطة أن تتوسع الاستثمارات في القدرات الإنتاجية الجديدة بنفس الوتيرة.

ووفقاً لسيناريو "الصدمة" الذي وضعته الشركة، فإن الطلب على النحاس لن ينمو إلا بنسبة إضافية قدرها 2% مقارنة بالسيناريو الأساسي، الذي يفترض استمرار نمو مبيعات السيارات الكهربائية عالمياً بوتيرة سنوية متواضعة تبلغ 4%. لكن هذا يعني أن الطاقة الإنتاجية الجديدة للمناجم يجب أن ترتفع من المتوسط ​​طويل الأجل البالغ 850 ألف طن متري سنوياً إلى 960 ألف طن في الفترة ما بين عامي 2025 و2040.

ومن المتوقع أن ينمو الطلب على الليثيوم بنسبة إضافية تبلغ 14%، في ظل تعقيدات تتعلق بتوفر المادة ناتجة عن هيمنة الصين على سلسلة التوريد العالمية. على مدى العقد الماضي، واجهت أسواق المعادن المستخدمة في السيارات الكهربائية صعوبة في الموازنة بين العرض والطلب، ما أدى إلى سلسلة من التقلبات الحادة في الأسعار صعوداً وهبوطاً. ومن المحتمل جداً أن تتفاجأ هذه الأسواق مرة أخرى وتجد نفسها في موقف غير مستعد، مع تسارع مبيعات السيارات الكهربائية في كل مكان تقريباً خارج الولايات المتحدة.

كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية