الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

السبت, 23 مايو 2026 | 6 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

شبكات الجوال .. من الاتصال إلى استشعار الدرون

د. صالح المرشد
د. صالح المرشد
الاثنين 18 مايو 2026 13:8 |2 دقائق قراءة


د. صالح المرشد

هل يمكن لشبكات الجوال أن تتحول إلى رادارات حضرية دون تغييرات جوهرية في البنية التحتية؟ هذا السؤال لم يعد نظرياً، بل أصبح واقعاً تتزايد الأدلة على جدواه مع تطور تقنيات الجيل الخامس. فلم تعد أبراج الاتصالات مجرد بنية تحتية لنقل البيانات، بل يجري إعادة تموضعها تدريجياً كمنصات استشعار رقمية تدعم أمن المدن وكفاءة إدارتها، عبر تمكين الشبكة من إدراك البيئة المحيطة وتحليلها بشكل شبه لحظي.

في هذا السياق، تبرز تطبيقات رصد وتتبع الطائرات بدون طيار كأحد أبرز نماذج الاستفادة من هذه القدرات. وتعتمد الفكرة على استغلال الإشارات اللاسلكية التي تنتجها الشبكة بالفعل، وتحليل ارتداداتها لاستخلاص معلومات دقيقة عن الأجسام المتحركة في المجال الجوي المحيط بالأبراج، مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي لرفع دقة التصنيف والتمييز بين الأهداف المختلفة.

ورغم أن مبدأ الاستشعار عبر الموجات الراديوية ليس جديداً، فإن التحول الحقيقي يكمن في نموذج التشغيل؛ حيث تتيح شبكات الاتصالات توسيع نطاق الاستشعار حضرياً بالاعتماد على بنيتها التحتية المنتشرة، دون الحاجة إلى استثمارات منفصلة عالية التكلفة. وبذلك، فإن ما نشهده ليس ثورة تقنية بقدر ما هو إعادة توظيف ذكية وفعّالة لقدرات قائمة على نطاق واسع.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في الإمكانية التقنية، بل في الجدوى الاقتصادية. فالوصول إلى مستويات عالية من دقة الاستشعار يتطلب الاعتماد على نطاقات ترددية مرتفعة، إلى جانب كثافة كبيرة في نشر أبراج الجوال، ما يرفع حجم الاستثمارات إلى مستويات قد يصعب تبرير عوائدها ضمن نماذج أعمال مشغلي شبكات الاتصالات. ومن هنا يبرز تساؤل جوهري: هل تمثل هذه القدرات فرصة لإيجاد سوق جديدة لخدمات الاستشعار، أم أنها تُعد أداة لتعزيز كفاءة الشبكة وتحسين أدائها؟

في الواقع، قد تكمن القيمة الأعمق في الاستخدام الداخلي لهذه القدرات. إذ يمكن لبيانات الاستشعار أن تسهم في تحسين أداء الشبكة ذاتها، مثل تعزيز دقة التشكيل الشعاعي، والتنبؤ بجودة التغطية، ورفع كفاءة تخصيص الموارد، وهو ما ينعكس مباشرة على تجربة المستخدم وكفاءة التشغيل. كما تبرز فرص واعدة في شبكات المهام الحرجة، حيث يمكن أن تحل هذه القدرات محل بعض الحساسات المتقدمة في البيئات الصناعية والأمنية، بما يحقق تكاملاً أعلى وتكلفة أقل.

وعلى الجانب التنظيمي، تطرح هذه التحولات أسئلة لا تقل أهمية عن الجانب التقني: من يملك بيانات الاستشعار؟ ما المستوى المقبول من الأخطاء أو الإنذارات الخاطئة؟ كيف يمكن بناء ثقة المجتمع في شبكة “ترى” وتُحلل؟ ومن يتحمل مسؤولية القرار المبني على هذه البيانات؟ هذه التساؤلات تمس الحوكمة بقدر ما تمس التقنية، وقد تكون إجابتها هي العامل الحاسم في تمكين توجه هذه التقنيات.

خلاصة القول، نحن أمام فرصة حقيقية لتحويل شبكات الجوال إلى منصات ذكية تجمع بين الاتصال والاستشعار، وقد يكون هذا التحول هو المحرك الاقتصادي الأهم لإعادة تعريف دورة قيمة قطاع شبكات الاتصالات.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يتم التركيز على التطبيقات الظاهرة مثل رصد الطائرات بدون طيار، أم يتم الاستثمار في القيمة الأعمق داخل الشبكة نفسها؟ الإجابة على هذا السؤال لن تحدد فقط مسار شبكات الجيل الخامس، بل قد ترسم ملامح ما إذا كانت شبكات الجوال ستبقى شبكات اتصال… أم تتحول إلى بنية إدراكية للمدن الذكية.


خبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي والاتصالات

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية