محمد كركوتي
يخشى السياسيون البريطانيون من التعبير الصريح عن مساوئ انفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي، على اعتبار أن هذا الانفصال "بريكست"، تم برغبة الأغلبية من البريطانيين، ومهاجمته لا تليق. الأمر ليس كذلك بالطبع عند عامة الناس، الذين وقفوا ضد الانفصال. فما يقولونه لا يحسب سياسياً عليهم.
إلا أنه بعد سنوات من الخروج الفعلي للبلاد من الكتلة الأوروبية، ووصول حكومة عمالية إلى الحكم قبل عام ونصف العام، انتشر شكل من أشكال الشجاعة في أوساط السياسيين، للحديث السلبي عن "بريكست"، وتفنيد حجج أولئك الذين قادوا عملية الانفصال، المنتمين بالطبع إلى التيارات اليمينية المتطرفة. حتى أن حكومة كير ستارمر، تحلت بالشجاعة، لإطلاق محادثات مع الجانب الأوروبي، لرأب الصدع وتقليل الأضرار الناجمة عن الخروج التاريخي.
خسائر "بريكست" تظهر بصورة شبه يومية في الساحة البريطانية، إلى درجة أن حاكم بنك إنجلترا المركزي أندرو بيلي، وجه دعوات معلنة للحكومة بضرورة إعادة بناء العلاقات مع الأوروبيين لـ "تعويض الخسائر"، بل مضى أبعد من ذلك، بقوله "إن الاقتصاد البريطاني لا يزال يدفع ثمن الانفصال عن الاتحاد". سيستمر التأثير السلبي لـ "بريكست" على النمو في المملكة المتحدة.
فحتى أولئك الذين كانوا يؤيدونه، باتوا ينظرون إليه بشكل مختلف، ليس منهم بالطبع الشريحة المتطرفة التي تؤمن بتحمية بقاء بريطانيا خارج الكتلة، والتي لا تزال تجيش المجتمع المحلي ضد أوروبا، دون تقديم أي مكاسب عملية بعد سنوات من الانفصال، ومن دون طرح خريطة (ولو طويلة الأمد) لظهور هذه "المكاسب". فالخطاب الشعبوي يحظى بمريدين دائماً وفي كل الأزمنة.
الحقيقة الثابتة التي أظهرتها الأرقام، أن "بريكست" تسبب في تقليص الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بنسبة 4%، وذلك وفق مكتب مسؤولية الميزانية، أي أن الاقتصاد صار أصغر، فيما لو بقيت بريطانيا ضمن الاتحاد. بالطبع ليس الانفصال هو أصل المشاكلات التي تمر بها المملكة المتحدة، لكنه بالتأكيد أسهم في تعقيدها، وعزز حالة عدم اليقين، خصوصاً في ظل وصول حكومات متعاقبة على البلاد في فترة زمنية قصيرة جداً، بينها الأيام القليلة التي قضتها ليز تراس في الحكم رئيسة للوزراء، ضربت فيها الاقتصاد بصورة لا يزال يعاني منها حتى الآن. كما أنه لا يمكن تجاهل الأثر النفسي لـ "بريكست" في الساحة المحلية، الذي يسهم حتى اليوم بمزيد من الإرباك.
كل شيء يمكن أن يتغير بسرعة في بريطانيا، إلا مسألة انفصالها عن الاتحاد الأوروبي، التي لا بد من أن تدخل مرحلة كافية لإعادة طرحها على الناخب في البلاد. لكن الحكومة الحالية، أسرعت لإعادة بعض القواسم المشتركة في الطرف الأوروبي إلى الميدان، وهذه ستكون بمنزلة الأدوات اللازمة في المستقبل لأي خطوة جديدة للعودة إلى الكتلة الأوروبية. حتى تكتمل الصورة تماماً، سيظل شبح "بريكست" مسيطراً على الساحة، التي تعاني أصلاً من "أمراض" اقتصادية جمة.
كاتب اقتصادي
