واشنطن توسّع قيود الاستثمار لتشمل التكنولوجيا الحيوية الصينية لكنها تستثني اتفاقيات ترخيص الأدوية
واشنطن قلقة من تزايد اعتماد شركات الأدوية الأمريكية على الابتكار الدوائي الصيني
يتصاعد الجدل في بكين بشأن بيع التقنيات الدوائية الواعدة مبكراً وبأسعار تقل عن قيمتها
الخلاصة
وزارة الخزانة الأمريكية اقترحت قيوداً على الاستثمارات في التكنولوجيا الحيوية بالصين، مع استثناء اتفاقيات الترخيص التي تسمح للشركات الأمريكية بطرح الأدوية المطورة في الصين. الصين ترد بتقييد بيع تقنيات طبية حيوية، لكنها تحافظ على صفقات الترخيص. الاتفاقيات تحمي التعاون الدوائي رغم المخاوف الأمريكية من الاعتماد الصيني.
كتب الإستراتيجي العسكري الصيني القديم سون تزو ذات مرة أن مواجهة الخصم تقتضي ترك منفذ له للتراجع، تجنباً للانجرار إلى معركة عصية على الحسم. تأخذ واشنطن وبكين بهذه النصيحة في ما يبدو في قطاع التكنولوجيا الحيوية، في وقت تتصاعد الضغوط على الجانبين لقطع الروابط بينهما بالكامل.
كشفت وزارة الخزانة الأمريكية خلال الشهر الجاري عن مسودة قواعد لتقييد الاستثمارات في دول من بينها الصين وروسيا، فيما تقترح واشنطن إخضاع شركات الأدوية الصينية لقيود الأمن القومي نفسها المطبقة بالفعل على قطاعات مثل أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي.
اتفاقيات الترخيص تنجو من قيود التكنولوجيا الحيوية
لكن جرى استثناء مهم؛ إذ قال مسؤول أمريكي إن القواعد الجديدة لا تشمل اتفاقيات الترخيص في حد ذاتها. وبذلك، يمكن للشركات الأمريكية الاستمرار في إبرام صفقات تتيح لها طرح الأدوية المطورة في الصين للمرضى حول العالم، ما دامت تتجنب مشاريع مشتركة وغيرها من أشكال الاستثمار المباشر.وبينما قد تغلق القواعد الجديدة الباب أمام صفقات مثل استثمار "فايزر" (Pfizer) البالغ 100 مليون دولار في أسهم "ثري إس بايو" (3SBio Inc)، فإنها تحافظ على الشكل الأكثر شيوعاً من الشراكات بين عمالقة الأدوية العالميين ومطوري الأدوية الصينيين. وربما هذه أفضل نتيجة ممكنة يمكن انتظارها، قبل أسابيع فحسب من لقاء آخر مرتقب بين الرئيسين شي جين بينغ ودونالد ترمب.
كانت اتفاقيات الترخيص على مدى عقود ركيزة أساسية في نموذج أعمال شركات الأدوية الكبرى، فهي تتيح لشركات التكنولوجيا الحيوية الأصغر الاستعانة بكبار مصنّعي الأدوية لتحويل اكتشافاتها إلى منتجات تجارية، من دون التنازل عن ملكيتها.ومن أوائل الأمثلة على ذلك "جينينتك" (Genentech Inc)، إحدى الشركات الرائدة في القطاع والتابعة حالياً لـ"روش هولدينغ" (Roche Holding AG)، التي رخّصت تقنيتها الرائدة لإنتاج الإنسولين إلى "إيلي ليلي" (Eli Lilly & Co) قبل نحو 50 عاماً.
اعتماد شركات الأدوية على الصين يثير مخاوف واشنطن
غير أن الصين أربكت هذا النموذج الراسخ، من خلال تطوير أدوية جديدة بوتيرة أسرع وبتكلفة بسيطة مقارنة بالتكلفة لدى منافساتها من الشركات متعددة الجنسيات. ومع اقتراب انتهاء براءات اختراع بعض أدويتها الأكثر ربحية، تتسابق شركات الأدوية الكبرى على اقتناص علاجات جديدة لتعزيز خطوط تطويرها، خصوصاً في مجالي السرطان والسمنة، حيث أحرزت الأبحاث الصينية تقدماً سريعاً. وخلال السنوات الخمس الماضية، قفز عدد هذه الصفقات بأكثر من عشرة أضعاف.
وأثار هذا التوجه مخاوف لدى الجمهوريين والديمقراطيين على السواء في واشنطن من تزايد اعتماد شركات الأدوية الأمريكية على الابتكارات الصينية. لم يكن مستغرباً أن تضيف وزارة الخزانة الأميركية التكنولوجيا الحيوية إلى قائمة القطاعات الخاضعة لقانون الاستثمار المرتبط بالأمن القومي الذي أُقر في ديسمبر.
ردّت بكين على المقترح واصفة إياه بالتمييزي، لكن هذا مجرد استعراض سياسي. فكما تخشى واشنطن تراجع القدرات البحثية الأمريكية، يدور نقاش مواز في الصين حول ما إذا كانت شركات الأدوية المحلية ترخّص ملكيتها الفكرية بمقابل بخس. وعادةً ما تحصل الشركة المانحة للترخيص على ما بين 10% و15% فقط من الإيرادات المحققة خارج سوقها المحلية، رغم أنها هي التي أنجزت المراحل الأولى من تطوير الدواء.
اتفاقيات الترخيص تحمي جسور التعاون الدوائي
بدأ باحثون بارزون في الصين يرفعون أصواتهم ضد ممارسة تُعرف باسم "ماي تشينغمياو" (mai qingmiao)، أو "بيع البراعم الخضراء"، في استعارة لبيع اكتشافات دوائية واعدة إلى شركات الأدوية الكبرى قبل أن تنضج وتبلغ كامل إمكاناتها.
وفي مارس، حذر لي شياوكون، العالم وعضو الهيئة التشريعية الوطنية الذي حققت براءات اختراعاته الدوائية مبيعات بقيمة 10 مليارات يوان (1.5 مليار دولار)، من أن هذه الممارسة قد لا تحرم الصين من أرباح مستقبلية فحسب، وإنما قد تكلفها أيضاً ريادة صناعة الأدوية العالمية.
وقبل أيام من إعلان وزارة الخزانة الأمريكية، اقترحت وزارة التجارة الصينية تقييد بيع 5 تقنيات طبية حيوية إلى الخارج، من بينها العلاج بالخلايا والعلاج الجيني. لكن بكين، على غرار إدارة ترمب، أبقت صفقات الترخيص خارج نطاق هذه القيود، إلى جانب الشراكات وإسناد خدمات البحث إلى جهات خارجية. وفي ظل نقص تمويل نظام التأمين الصحي المحلي وعجزه عن تغطية تكلفة هذه الابتكارات، تواجه شركات أدوية صينية كثيرة صعوبة في تحويل اكتشافاتها الواعدة إلى أدوية مدرّة للربح. لذلك، يبقى لديها حافز مالي كبير لمواصلة ترخيص هذه الاكتشافات لشركات الأدوية في الخارج.
ومن المستبعد أن يتغير هذا الواقع من دون إصلاح جذري لنظام الرعاية الصحية العامة، أو توسع كبير في التأمين الصحي الخاص. وفي الوقت الراهن، يبدو الإبقاء على اتفاقيات الترخيص، مع اتخاذ خطوات للحد من أشكال التعاون الأكثر مباشرة والقائمة على الاستثمارات في الأسهم، حلاً وسطاً مقبولاً. فهو يتيح للطرفين تهدئة الانتقادات، من دون قطع قناة حيوية لتطوير أدوية جديدة.
ولا يتطلب الحفاظ على بعض أشكال التعاون أن يتنازل أي من الطرفين عن مصالحه الأساسية. فقد أدرك سون تزو أن حتى الخصوم يحتاجون إلى منفذ. وفي سباق تطوير أدوية تنقذ الأرواح، فإن إبقاء هذا المنفذ مفتوحاً مكسب لا يُستهان به.
كاتبة عمود في فريق بلومبرغ للآراء في آسيا، وتغطي إستراتيجية الشركات وإدارتها في المنطقة. كبيرة محرري الأعمال في شبكة سي إن إن لمنطقة آسيا، ومراسلة لقناة بي بي سي نيوز ورويترز سابقا.
خاص بـ " الشرق بلومبرغ"
