الثلاثاء, 3 نوفمبر 2026|22 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية


م. عماد اليوسفي

مفارقة المستودع الذكي

في سلاسل إمداد صناعة السيارات، حيث قضيت أكثر من 15 عامًا بين التخطيط وإدارة الأزمات، تعلّمت حقيقة بسيطة: المصنع لا يتوقف لأن المعلومة غائبة، بل لأن القرار جاء متأخرًا. قطعة واحدة لا تتجاوز قيمتها بضعة سنتات قد تُوقف خط إنتاج كاملًا، بينما كانت إشارات الخطر موجودة في النظام قبل أيام.

اليوم، السعودية تعيش عامًا أعلنه مجلس الوزراء عامًا للذكاء الاصطناعي، يبدو السؤال نفسه أكثر إلحاحًا. فالمستودعات تمتلئ بالمستشعرات، والموانئ تتحول إلى موانئ ذكية، والشاشات تزدحم بالمؤشرات. لكن المفارقة أن كثرة البيانات لم تُنتج بعد سرعة مماثلة في القرار. الذكاء الاصطناعي في سلاسل الإمداد لا يُقاس بعدد الأدوات المشتراة، بل بالمدة التي تفصل بين ظهور الإشارة واتخاذ القرار. وهذا بالضبط ما تقوله الأرقام العالمية هذا العام.

استثمار يتسارع، وتحوّل يتباطأ

تتوقع جارتنر أن يرتفع الإنفاق على برمجيات إدارة سلاسل الإمداد التي تتضمن قدرات الوكلاء الأذكياء من أقل من ملياري دولار في 2025 إلى 53 مليار دولار بحلول 2030. وتذهب أبعد حين تتوقع أن تُحلّ نحو 60% من اضطرابات سلاسل الإمداد دون تدخل بشري بحلول 2031.

لكن الصورة من داخل الشركات أقل بريقًا. فقد خلص مسح لجارتنر شمل 140 من كبار قادة سلاسل الإمداد، نُشرت نتائجه في مايو الماضي، إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يقود حتى الآن تحولًا في نماذج التشغيل؛ إذ لم تتجه سوى 17% من المؤسسات إلى إعادة تصميم عملياتها بصورة تحويلية، بينما تتبنى البقية نهجًا تدريجيًا، لأن الجاهزية الأساسية ما زالت تكبّل الاستثمار. وفي تقرير آخر لشركة Sage شمل أكثر من 200 مشغّل في قطاعي التجزئة والجملة، أفاد 10% فقط بأن الذكاء الاصطناعي مطبّق فعليًا داخل سير عمل سلاسل إمدادهم.

الفجوة إذن ليست تقنية. إنها فجوة بيانات متفرقة بين أنظمة لا تتحدث مع بعضها، وفجوة مهارات، إذ ارتفع الطلب على وظائف سلاسل الإمداد التي تتطلب مهارات في الذكاء الاصطناعي بنسبة 387% بين الربع الأول من 2023 والربع الأول من 2026، بحسب جارتنر. وما يزيد الضغط أن 86% من محترفي القطاع في مؤشر أجيليتي للأسواق الناشئة يتوقعون تقلبات أعلى، أو يرون الاضطراب «وضعًا طبيعيًا جديدًا».

السعودية: البنية جاهزة، فمن يدير العقل؟

بنت السعودية في سنوات قليلة ما تحتاج إليه دول أخرى في عقود. فبحسب بيان منظمي المعرض السعودي للمستودعات والخدمات اللوجستية في أغسطس الماضي، فُعّل 25 مركزًا لوجستيًا من أصل 42 مستهدفًا، وأطلقت «موانئ» مبادرة الموانئ الذكية لأتمتة العمليات، وتشير تقديرات نقلتها صحيفة «الوطن» عن الأكاديمية السعودية اللوجستية إلى أن احتياجات التوظيف في القطاع قد تصل إلى 201 ألف وظيفة بحلول 2030، مقارنة بـ61 ألفًا في 2021.

هذه أصول ثمينة، لكنها تبقى «عضلات» المنظومة. أما «الجهاز العصبي» فهو القدرة على ربط الميناء بالمستودع والناقل والمورّد والعميل في صورة واحدة حيّة، ترى الخطر وتقترح البديل قبل أن يتحول إلى أزمة. والتوقيت مناسب. فالرياض تستضيف من 29 نوفمبر إلى 1 ديسمبر النسخة الثانية من المنتدى اللوجستي العالمي، بالتزامن مع منتدى الأمم المتحدة العالمي لسلاسل التوريد. وهي فرصة لأن تقدّم السعودية نفسها ليس فقط ممرًا يربط 3 قارات، بل مختبرًا لسلاسل إمداد تُدار بالذكاء.

3 أولويات للانتقال من الأداة إلى القرار

أولًا: بيانات مشتركة قبل نماذج متطورة. لا يستطيع أي وكيل ذكي أن يتنبأ بتأخر شحنة إذا كانت بيانات الميناء والناقل والمستودع حبيسة في جزر منفصلة. المنصات الوطنية الموحدة خطوة في الاتجاه الصحيح، ويبقى تشجيع القطاع الخاص على مشاركة بياناته وفق معايير موحدة.

ثانيًا: حالات استخدام صغيرة بعائد واضح. التنبؤ بالطلب، وتحسين المخزون، وجدولة الأرصفة، والإنذار المبكر بالنقص، مشاريع تُقاس نتائجها بالأشهر لا بالسنوات. النجاح فيها يبني الثقة التي تحتاجها المؤسسات لتمنح الآلة قرارات أكبر.

ثالثًا: الإنسان في مركز المنظومة. المخطط اللوجستي المقبل لن يقضي يومه في جداول البيانات، بل في مراجعة ما يقترحه الوكيل الذكي والحكم عليه. وهذا يعني أن برامج التأهيل يجب أن تجمع بين خبرة الميدان ومهارة التعامل مع الذكاء الاصطناعي، لا أن تفصل بينهما.

السباق على الدقائق

في عالم تتكرر فيه الاضطرابات، لم تعد الميزة التنافسية لمن يملك الميناء الأكبر أو المستودع الأحدث. بل لمن يرى الأزمة أولًا ويتصرف أسرع. والسعودية، بما بنته من بنية وما أعلنته من أولويات، في موقع نادر يسمح لها بأن تقفز مباشرة إلى سلاسل إمداد تفكّر ولا تكتفي بأن تُراقَب.

في سلاسل الإمداد المقبلة، لن يربح من يملك أكثر البيانات، بل من يحوّلها إلى قرار قبل غيره.

خبير في الذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد، YOUADEMY، المغرب

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية