لم يكن التشريع يومًا مجرد نصوص جامدة، بل بدأ رسالة سماوية حملها الأنبياء لترسيخ «التشريع المنزل» ابتداءًا، ثم انتقلت مهمة «التشريع المؤول» بناءًا إلى العلماء بالشراكة مع أهل السلطة لضبط النوازل وتنظيم شؤون المجتمعات. ومع صعود الدولة الحديثة وتعاظم تعقيداتها، انتقل التشريع من فضاء الفقه الكلاسيكي والموازنات السياسية البسيطة إلى علم مؤسسي تديره البرلمانات والهيئات التنظيمية والأجهزة الرقابية.
ومنذ ذلك الحين، ظل العالم يتحرك في مدٍّ وجزر بين موجات التنظيم والتحرير؛ فكل أزمة اقتصادية كانت تدفع الحكومات إلى توسيع الرقابة والتدخل، ثم تعود موجات التحرير لتقليص القيود وتمكين السوق من جديد.
في البدايات، قاد القانونيون المشهد بوصفهم حُرّاس الاستقرار والعدالة، فَغَلب على التشريعات الطابع الإجرائي والمحافظة على صلابة النصوص. لكن الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي كشف أن سلامة الصياغة لا تعني بالضرورة سلامة النتائج الاقتصادية. ومن هنا بدأ علم السياسات العامة بالتشكل في الولايات المتحدة، ثم تأسست عام 1946م مدرسة كينيدي في جامعة هارفرد كإحدى أبرز الحاضنات التي جمعت الاقتصاد بالإدارة والتشريع.
ولم تكن العلاقة بين القانون والاقتصاد مجرد تعاون مهني، بل اختلاف عميق في زاوية النظر إلى الواقع. فالقانوني يميل إلى حماية الاستقرار وتقليل المخاطر النظامية، بينما ينطلق الاقتصادي من الكفاءة والحوافز وتعظيم الأثر. ولهذا تركت هوية المشرّع بصمتها على شكل الأنظمة نفسها؛ فحين يقود القانونيون وحدهم، تميل التشريعات إلى التضخم الإجرائي وكثرة الضوابط والتفاصيل الاحترازية، وحين يتصدر الاقتصاديون، تتجه السياسات نحو التحرير والمرونة وتقليل القيود ولو على حساب بعض الاعتبارات الحمائية. وبين هذين الاتجاهين، ظل التشريع الحديث يبحث عن نقطة توازن لا تُفرط في السوق ولا تُغرقه في البيروقراطية.
وفي السبعينيات، ومع أزمات التضخم والركود، بدأت الولايات المتحدة استخدام «تحليل الأثر التشريعي» لفحص آثار الأنظمة على الاقتصاد والأسواق. وهنا تغيرت فلسفة الدولة نفسها؛ فلم يعد يكفي أن يكون النظام صحيحًا من الناحية القانونية، بل أصبح مطلوبًا أن يكون فعّالًا وقابلًا للقياس. ثم تطورت التجربة إلى وحدات مراجعة داخل البيت الأبيض، قبل أن تنتقل الفكرة إلى بريطانيا في الثمانينيات، ومنها إلى الاتحاد الأوروبي بدفع من منظمة OECD التي رسخت مفاهيم «التشريع الذكي» و«المنظم التمكيني».
ولم تنجح هذه التجارب بسبب الأدوات وحدها، بل لأنها ربطت التحليل بدورة صنع القرار. فأصبح تقييم الأثر جزءًا إلزاميًا من عملية التشريع، لا ملحقًا شكليًا. كما أدخل ذلك مفاهيم مثل تحليل التكلفة والعائد، واختبار البدائل، وإشراك أصحاب المصلحة. وفي المقابل، اكتشفت بعض الحكومات أن قياس نجاح الجهات بعدد الأنظمة الصادرة لا بجودة أثرها يدفع تلقائيًا نحو تضخم تنظيمي يرهق الأسواق والاستثمار، ويحوّل التشريع إلى غاية بذاته بدل أن يكون أداة تنمية.
ومع الثورة الرقمية، دخل لاعب ثالث إلى غرفة التشريع. فشركات التقنية المالية والاقتصاد التشاركي مثل Uber Technologies وAirbnb كشفت فجوةً هائلةً بين سرعة الابتكار وبطء التنظيم. ولم يعد الجدل قانونيًا أو اقتصاديًا فقط، بل تقنيًا أيضًا؛ هل تُعامل هذه المنصات كشركات تقنية أم كخدمات نقل وإسكان؟ ومن هنا ظهرت نماذج أكثر مرونة مثل «التنظيم التجريبي» (Sandbox) الذي يسمح باختبار المنتجات داخل بيئة حية قبل إصدار الأحكام النهائية.
لكن الذكاء الاصطناعي يذهب أبعد من ذلك؛ فهو لا يفرض تحديًا على التشريعات فحسب، بل يعيد تعريف فكرة «المشرّع» نفسها. فمع قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات والتنبؤ بالسلوك وقياس الأثر بشكل لحظي، ستنتقل التشريعات مستقبلًا من أنظمة جامدة تُراجع كل سنوات إلى أطر تنظيمية ديناميكية تتكيف تلقائيًا مع السوق والمخاطر. وهنا لن يكون السؤال عن القانوني أو الاقتصادي فقط، بل عن قدرة الدولة على دمج المبرمج ومهندس البيانات وخبير السياسات داخل غرفة واحدة.
حتى القضاء تأثر بهذا التحول؛ فاختارت كثير من الشركات الولايات القضائية الأكثر مرونة وقدرة على سد فجوات النصوص الجامدة، خصوصًا في الأنظمة الأنجلوسكسونية التي منحتها السوابق القضائية قدرةً أعلى على مواكبة التحولات الاقتصادية دون التضحية بالاستقرار القانوني.
وتكشف رحلة التشريعات أن أعلى درجات النضج لا تتحقق بانتصار الاقتصادي على القانوني، بل بتكاملهما. فالعلاقة بينهما تشبه العلاقة بين الطبيب والصيدلي؛ فلا يكفي تشخيص جيد دون صياغة دقيقة، ولا تنفع صياغة محكمة إن بُنيت على فهم ناقص للواقع. ولهذا لم يعد التشريع الحديث مجرد كتابة نصوص، بل صناعة أثر تتطلب عقلًا يجمع بين القانون والاقتصاد والتقنية في آن واحد.
مستشار قانوني
