الاثنين, 7 سبتمبر 2026|24 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية


ديفيد فيكلينج

@davidfickling

25 دولة تتفق على تطوير خطط لاستخدام اليورانيوم في تشغيل السفن العملاقة العابرة للمحيطات وسط غياب الصين

 أقل من 500 سفينة نووية قد تكفي لاستبدال الجيل الحالي من سفن الحاويات العملاقة

مئات المفاعلات التجارية في المياه الدولية تفتح تحديات تنظيمية وأمنية وتتطلب قوات حماية محتملة

 الخلاصة

تخطط الحكومة الأمريكية لإحياء الشحن التجاري بالطاقة النووية عبر شراكة مع شركة "كور باور" البريطانية لإطلاق سفينة نووية 2028، بهدف تقليل الانبعاثات وتسريع الشحن البحري. اتفقت 25 دولة على قواعد للسفن النووية باستثناء الصين، ما يعقد التعاون الدولي. الجدوى الاقتصادية والتنظيمية والسياسية تمثل تحديات رئيسية، مع ضرورة موافقة الصين لضمان نجاح المشروع.

ماذا لو استطعنا إحياء صناعة بناء السفن الأمريكية المحتضرة، وتحفيز الاستثمار في الطاقة النووية، وجعل الشحن البحري أسرع وأرخص، والقضاء على أحد أكبر مصادر انبعاثات الكربون في العالم، كل ذلك دفعة واحدة؟ والأفضل من ذلك، ماذا لو استطعنا في الوقت نفسه توجيه "ضربة قاضية" إلى الصين؟

هذه هي الرؤية وراء مقترح لإحياء الشحن التجاري بالطاقة النووية، إذ تخطط الحكومة الأميركية لتوقيع شراكة بين القطاعين العام والخاص مع "كور باور" (Core Power)، وهي شركة مقرها المملكة المتحدة تخطط لإطلاق سفينة شحن تعمل بالطاقة النووية في 2028، وفق ما أوردته صحيفة "فاينانشال تايمز" الأسبوع الماضي. وكتب وزير النقل الأميركي شون دافي على منصة "إكس" (X) أن مثل هذه السفن "ستغير قواعد اللعبة وتسيطر على الصين".

قواعد دولية للسفن النووية تستثني الصين

اتفقت نحو 25 دولة اجتمعت في الوكالة الدولية للطاقة الذرية في واشنطن الأسبوع الماضي على العمل على خطط تسمح باستخدام اليورانيوم لتشغيل السفن العملاقة العابرة للمحيطات، التي تنقل الألعاب، والأثاث، والسيارات، والمواد الخام حول العالم. ولم تكن الصين من بينها.

وهذا إغفال قاتل. فالشحن التجاري بالطاقة النووية فكرة حان وقتها بالفعل، كما كتبنا من قبل. لكن تحويلها إلى أضرار جانبية في صراع أشبه بمعركة سفن في حوض الاستحمام بين واشنطن وبكين هو أضمن وسيلة للحيلولة دون تحققها على الإطلاق.

لا يمكن منطقياً صياغة قواعد الشحن التجاري بالطاقة النووية على نحو يستبعد أكبر مُصدرة في العالم، وأكبر بانية للسفن، وأكبر مشغلة لموانئ الحاويات، وأكبر منتجة للمفاعلات. ويرجع ذلك إلى أن العقبات الرئيسية ليست تكنولوجية، ولا حتى اقتصادية، بل تنظيمية وسياسية.

فكّروا في مدى قربنا من التوصل إلى اتفاق. لا حاجة إلى أي اختراقات علمية لتشغيل السفن باليورانيوم: فالغواصات النووية تجوب البحار منذ 1955، وتحمل نحو 160 سفينة وغواصة مفاعلات نووية. وهذا العدد قريب من عدد مواقع الطاقة النووية البالغ 165 موقعاً، وكذلك من نحو 150 مركزاً لمفاعلات الأبحاث.

اقتصاديات الشحن بالطاقة النووية

لا تزال الجدوى الاقتصادية بحاجة إلى إثبات، لكنها قد تكون مقنعة. إذ تستطيع السفن النووية الإبحار بسرعة أكبر بكثير من السفن التقليدية، التي تخفض سرعتها عادةً للحفاظ على الوقود. وبحسب حساب تقريبي، يُمكن لسفينة تعمل بالطاقة النووية وتبحر بسرعة 25 عقدة أن تنقل نظرياً حاويات أكثر بنسبة 50% بين روتردام وشنغهاي مُقارنةً بسفينة تقليدية تسير بسرعة 16 عقدة. وقد تكون تكلفة السفن النووية أعلى بكثير، لكن المشغلة ستحتاج إلى عدد أقل بكثير منها، ما قد يخفض التكلفة لكل حاوية.

يمكن لصناعة الشحن بالطاقة النووية الالتفاف على عديد من الدول الرافضة للطاقة النووية حول العالم. ولن يحتاج الاتفاق إلى توقيع عدد كبير من الدول. فأكبر 20 ميناءً في العالم موزعة على 11 دولة فقط، وتتعامل مع ما يقارب نصف حركة الحاويات بأكملها. وتملك أكبر السفن حفنة من الشركات التي تتخذ من سويسرا، والدنمارك، وفرنسا، والصين، واليابان، وكوريا الجنوبية مقرات لها.

وتتمحور الصناعة نفسها حول عدد قليل من خطوط الشحن الرئيسية العالمية، مثل الخط الممتد من نينغبو في الصين إلى لونغ بيتش على الساحل الغربي الأمريكي، والذي يغذي الموانئ الأصغر بحركة الشحن. وربما يمكن استبدال الجيل الحالي من سفن الحاويات العملاقة بأسطول يضم أقل من 500 سفينة نووية.

خفض انبعاثات الشحن البحري

قد يُساعد ذلك المناخ أيضاً، لا سيما إذا كانت السفن الأصغر حجماً تعمل بالبطاريات. ويطلق أسطول السفن العالمي كمية من ثاني أكسيد الكربون تعادل تقريباً انبعاثات اليابان بأكملها. وقد لا يحل الجمع بين الطاقة النووية والبطاريات محل كل سفينة، لكنه يمثل مساراً معقولاً لخفض البصمة الكربونية للصناعة بأكثر من الثلثين، وفق تقديراتي.

لكن الجانب التنظيمي هو حيث تصبح الأمور بالغة التعقيد. فجميع المفاعلات تقريباً موجودة حالياً إما داخل دولة ذات سيادة، أو على متن سفينة عسكرية مدججة بالسلاح. وسيغير أسطول تجاري نووي ذلك، إذ سيضع مئات المفاعلات في المياه الدولية المعرضة لخطر القراصنة والجماعات المسلحة. وسيتعين توسيع الطاقم التقليدي ليشمل مجموعة من المهندسين النوويين ذوي التدريب العالي والأجور المرتفعة، وربما قوة أمنية مسلحة لردع الخاطفين.

معضلة تأمين السفن النووية

عندئذ، سيبدو المشهد القانوني والتأميني والأمني مختلفاً إلى حد كبير عما هو عليه الآن. إذ تُنقل قرابة خُمس حركة الحاويات في الموانئ الأمريكية على متن سفن صُنعت في الصين. فهل يثير احتمال رسو سفينة حاويات نووية صينية في ميناء لوس أنجلوس قلقك؟ ماذا عن إضافة مهندسين نوويين صينيين وحراس صينيين مسلحين لحماية محطة الطاقة التي قد تنطوي على مخاطر؟

المشكلة ليست مستعصية على الحل. ففي ذروة الحرب الباردة، تفاوض الرئيس دوايت دي. أيزنهاور مع الاتحاد السوفيتي لوضع مجموعة مماثلة من القواعد وعمليات التفتيش الدولية الخاصة بالتكنولوجيا النووية المدنية. وانبثقت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي استضافت اجتماع الأسبوع الماضي، في نهاية المطاف من تلك المناقشات. ونجحت إلى حد كبير على مدى سبعة عقود في تحويل التكنولوجيا النووية من منظومة للأسلحة إلى صناعة مدنية توفر الطاقة النظيفة وتستخدم في الطب بما يعود بالنفع على البشرية.

وتكرار ذلك في 2026 سيتطلب مستويات استثنائية من الثقة بين الدول التجارية الكبرى في العالم. لكن مثل هذه الثقة تزداد ندرة، وتعمل حروب الرسوم الجمركية العشوائية التي يشنها الرئيس دونالد ترمب على تقويض القليل المتبقي منها. ولا يوجد مستقبل واقعي للشحن التجاري بالطاقة النووية من دون موافقة الصين. وتحويل هذه التكنولوجيا إلى سباق تسلح بالسفن الحربية مع بكين هو أفضل وسيلة لضمان ألا تتجاوز أبداً مرحلة التصميم.

كاتب عمود في بلومبرغ ويغطي السلع، والشركات الصناعية والاستهلاكية. مراسلًا لبلومبرغ نيوز، وداو جونز، وصحيفة وول ستريت جورنال، وفايننشال تايمز، والجارديان سابقا.

خاص بـ " الشرق بلومبرغ"

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية