من غواصة "نوتيلوس" في رواية جول فيرن إلى سفينة "نينج يوان ديان كون" ينتقل الشحن الكهربائي من الخيال العلمي إلى الواقع
الخلاصة
تم تسليم سفينة الحاويات الكهربائية "نينج يوان ديان كون" بسعة 740 وحدة نمطية، تعمل ببطاريات تعادل طاقة 380 سيارة تسلا موديل 3، مع إمكانية استبدالها في الموانئ. نصف أسطول الحاويات العالمي يقل عن 3 آلاف وحدة، ويسهم بشكل كبير في التلوث البحري. مبادرات كهربة السفن واستخدام وقود بديل تهدف لخفض الانبعاثات.
في رواية "عشرون ألف فرسخ تحت البحر" للكاتب جول فيرن، ظهرت الغواصة المستقبلية "نوتيلوس" العاملة بالبطاريات، بقيادة الكابتن نيمو. ومنذ ذلك الحين، ظلّ الشحن البحري الكهربائي حبيس الخيال العلمي.
لكن هذا الواقع قد يتبدل. ففي وقت سابق من هذا الشهر، تم تسليم سفينة الحاويات الكهربائية "نينج يوان ديان كون" (Ning Yuan Dian Kun) القادرة على نقل 740 حاوية قياس 20 قدماً (أو 740 وحدة نمطية). وتضم السفينة 10 بطاريات موضوعة داخل حاويات، بسعة إجمالية توازي طاقة 380 سيارة من طراز "تسلا موديل 3"، مع إمكانية استبدالها في الموانئ أو شحنها عبر كابلات متصلة بالبرّ.
السفن الصغيرة العمود الفقري للشحن البحري
إذا كنت تتابع قطاع الشحن البحري، قد تبدو سعة 740 وحدة نمطية متواضعة. فالسفينة الأكبر حجماً حالياً هي "إم إس سي إيرينا" (MSC Irina) التي أُطلقت عام 2023 وتستوعب 24346 حاوية، أي نحو 33 ضعف سعة "نينج يوان ديان كون". وإلى أن تبلغ البطاريات هذا المستوى، قد يبدو تجاهلها أمراً بديهياً.
لكن الواقع أكثر تعقيداً. ففي حين أن السفن العملاقة هي ركيزة التجارة العالمية؛ إذ تربط موانئ كبرى مثل شنغهاي وروتردام ولونج بيتش وسنغافورة، إلا أنها ليست مناسبة لكل المرافئ. فحجمها الضخم يمنعها من دخول آلاف الأرصفة الأصغر التي تستقبل الحاويات. كما أن جزءاً كبيراً من نشاط مراكز الشحن الكبرى لا يقتصر على تفريغ الحاويات لنقلها براً عبر الطرقات والسكك الحديدية، بل يشمل فرزها وإعادة شحنها على متن سفن تغذية أصغر تتولى إيصالها إلى موانئ أصغر حجماً.
كثير من سفن "التغذية" أصغر بكثير مما قد تتصوره. فأكثر من نصف أسطول الحاويات العالمي تقل سعته عن 3 آلاف وحدة نمطية، وهو السقف المتعارف عليه لهذا النوع. وبلغ متوسط سعة إجمالي السفن التي رست في الموانئ عام 2023 نحو 3618 وحدة، بحسب مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد".
وكما هي الحال مع الطائرات المخصّصة للرحلات القصيرة والمتكررة مثل "بوينج 737" و"إيرباص A320"، فإن تشغيلها على مسارات قصيرة وعالية الوتيرة يجعلها العمود الفقري لشبكة النقل العالمية، بما يفوق أهمية السفن العملاقة البراقة.
يعني ذلك أيضاً أنها تسهم بشكل كبير في التلوث البحري. ففي عام اعتيادي، يصدر نحو نصف انبعاثات سفن الحاويات عن سفن تقل سعتها عن 8000 وحدة نمطية، فيما تمثل السفن دون 3000 وحدة قرابة الخُمس، وفق منصة "زينيتا" (Xeneta) المتخصصة بقطاع الشحن.
مزيد من صناع السفن يسيرون نحو التحول الكهربائي
لا تزال هذه السعات تفوق كثيراً قدرة "نينج يوان ديان كون" البالغة 740 وحدة نمطية، إلا أن صنّاع سفن آخرين يسيرون في الاتجاه نفسه.
فقد نالت "إيتزن جروب" (Eitzen Group) النرويجية العام الماضي تمويلاً من صندوق ابتكار حكومي بقيمة 19 مليون دولار لبناء سفينتين تعملان بالبطاريات بسعة 850 وحدة لكل منهما.
ومنذ 2022، تقوم سفينة "يارا بيركلاند" (Yara Birkeland) بسعة 120 وحدة، التابعة لشركة الأسمدة "يارا إنترناشونال" (Yara International)، برحلات منتظمة بين هيرويا وبريفيك. كما دشّنت "كوسكو شيبينج هولدينجز" (Cosco Shipping Holdings) في 2024 سفينتها "جرين ووتر 01" (Greenwater 01) على خط نهري يربط شنغهاي بنانجينج، بسعة 700 وحدة تعمل بالطاقة الكهربائية.
وجدت دراسة صادرة في 2024 أن انخفاض تكلفة البطاريات، مقترناً بتسعير الكربون، قد يكون كافياً لتتفوق هذه السفن على محركات الاحتراق في المسارات التي تقل عن ألف كيلومتر، وربما حتى 2500 كيلومتر. أما الرحلات الأطول، فلا يزال وزن البطاريات يلتهم حيزاً كبيراً من مساحة الشحن، ما يجعلها بلا جدوى اقتصادية.
كهربة السفن تخفض التلوث وتقلص التكاليف
لكن هذا لا يلغي دور البطاريات في هذا المجال. فمسار خفض انبعاثات الشحن البحري سيتطلب ابتكارات متعددة تعمل جنباً إلى جنب.
نحو 30% من وقود السفن يُستهلك لتوليد الطاقة أثناء وجودها في الموانئ. لذلك تتقدم مبادرات ربط السفن الراسية بالشبكات الكهربائية البرية للحد من الانبعاثات في أوروبا وأمريكا الشمالية والصين، حيث يتم العمل منذ سنوات على كهربة أرصفة نهر اليانغتسي، أحد أبرز شرايين النقل الداخلي.
بالتوازي، بدأت أنواع وقود بديلة مثل الغاز الطبيعي المسال والميثانول والأمونيا تحل تدريجياً محل زيت الوقود البحري والديزل، فيما تشير بيانات القطاع إلى أن نحو نصف طلبيات السفن الجديدة باتت قادرة على التشغيل باستخدام وقود بديل.
هذه المبادرات مهمة. فالشحن البحري مسؤول عن نحو 3% من الانبعاثات العالمية، وهي نسبة توازي تقريباً ما تطلقه الطائرات مجتمعة. ورغم محاولات الحكومة الأمريكية تعطيل أو تأجيل اعتماد سعر عالمي للكربون داخل المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة، فإن القطاع نفسه يسعى إلى تقليص بصمته المناخية. فالوقود يمثل نحو نصف تكلفة الرحلة، ما يمنح المشغّلين حافزاً مباشراً للاستثمار في أي تقنية تخفّض الاستهلاك.
البطاريات قادرة على تغيير العالم
حتى الآن، لا يزال دور البطاريات محدوداً في هذا المجال. لكن، كما حدث في قطاع الشاحنات الذي اعتُبر طويلاً عصيّاً على الكهرباء، بدأت المعادلة تتبدل. فمحطات الطاقة المعيارية الموضوعة داخل حاويات، والتي تخضع للتجارب في الصين والنرويج، تتيح للشركات اختبار النموذج، والتوسع فيه سريعاً إذا أثبتت الحسابات جدواه الاقتصادية. مع كل عام، تنخفض تكلفة البطاريات وتصبح أخف وزناً وأكثر كفاءة. وسيكون من الخطأ الاستخفاف بقدرتها على تغيير العالم.
كاتب في بلومبرغ ويغطي السلع، والشركات الصناعية والاستهلاكية. مراسلًا لبلومبرغ نيوز، وداو جونز، وصحيفة وول ستريت جورنال، وفاينانشيال تايمز، والجارديان سابقا.
خاص بـ "بلومبرغ"
