الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

دور التخصيص في تحسين كفاءة الاستثمار

محمد الماضي
الجمعة 6 فبراير 2026 14:5 |2 دقائق قراءة


محمد الماضي

لم يعد التخصيص في السعودية يقدم كحل مالي مؤقت أو كمسار لبيع الأصول، بل كأداة هيكلية يمكن أن تسهم في دعم النمو عندما توظف ضمن إطار يعيد توزيع الأدوار بين الدولة والسوق.

وتأتي الإستراتيجية الوطنية للتخصيص لترجمة هذا التوجه إلى مسار تنفيذي أوضح، عبر تحديد القطاعات ذات الأولوية، وتوسيع نماذج الشراكة طويلة الأجل، وتهيئة بيئة تنظيمية جاذبة للاستثمار، بما يرفع كفاءة الاستثمار ويحسن جودة الخدمات ويضبط المخاطر.

وفي هذا السياق، تستهدف الإستراتيجية توقيع أكثر من 220 عقد شراكة بين القطاعين العام والخاص بحلول 2030، وجذب استثمارات من القطاع الخاص بنحو 240 مليار ريال، بما يعكس انتقال التخصيص من تصور عام إلى مسار تنفيذي مؤثر في دورة الاستثمار والنمو.

هذه الأرقام لا تعبر فقط عن حجم الطموح، بل تشير إلى أن التخصيص لم يعد ملفا ثانويا، بل أصبح أحد روافد الاستثمار خلال العقد الحالي، خاصة مع اتساع متطلبات البنية التحتية والخدمات، وتزايد الحاجة إلى تسريع تنفيذ المشاريع دون تحميل المالية العامة أعباء رأسمالية إضافية.

وتكمن أهمية التخصيص في كونه أداة لتحسين كفاءة الإدارة الاقتصادية أكثر من كونه خيارا ماليا. ففي عديد من التجارب الدولية، جرى استخدام التخصيص لإعادة ضبط العلاقة بين الجهة المالكة والجهة المشغلة، بما يسمح بفصل القرار الاستثماري عن العبء التشغيلي اليومي.

هذا الفصل ساعد على رفع مستوى الانضباط في التشغيل، وتحسين تخصيص الموارد، وتسريع اتخاذ القرار، خصوصا في القطاعات التي تتطلب مرونة تشغيلية عالية واستجابة سريعة للطلب، وهي خصائص يصعب تحقيقها ضمن نماذج الإدارة الحكومية التقليدية وحدها.

التحول الأهم في هذا المسار هو أن التخصيص لم يعد يختزل في نقل الملكية، بل يتجه بصورة أكبر إلى توسيع مشاركة القطاع الخاص في التمويل والتشغيل ضمن إطار تنظيمي واضح. ومع نماذج الشراكة طويلة الأجل، تنتقل مسؤولية التنفيذ والتشغيل، بما في ذلك جزء من المخاطر التشغيلية، إلى القطاع الخاص، بينما تبقى الدولة في موقع المنظم وضامنا للمعايير. اقتصاديا، يخفف ذلك الضغط الرأسمالي على المالية العامة، ويسرع تنفيذ المشاريع، ويربط جودة الخدمة بالمعايير والنتائج الفعلية.

وقد أثبتت تجارب محلية أن هذا النهج قابل للتطبيق عمليا، إذ تظهر بعض الممارسات أن نقل التشغيل إلى القطاع الخاص، ضمن تنظيم واضح، يمكن أن يرفع الكفاءة والانضباط دون الإخلال بطبيعة بعض القطاعات الحساسة. وعلى المستوى الدولي، لا يطرح التخصيص في الاقتصادات المتقدمة بوصفه بيعا للأصول، بل كأداة لتحسين إدارة المرافق ورفع الكفاءة التشغيلية ضمن رقابة صارمة، بما يساعد على إعادة توجيه الموارد وتعزيز كفاءة إدارة الأصول.

القيمة الحقيقية ليست في حجم البرامج، بل في نوعية الأثر. ومع نضج الشراكات وتراكم الخبرة، تستطيع الإستراتيجية الوطنية للتخصيص أن تدفع نحو خدمات أجود، واستثمار أكثر كفاءة، ووتيرة إنجاز أعلى، بما يعمق تنافسية الاقتصاد ويخدم المستفيد النهائي.

كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية