الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

أولى تداعيات دخول "ميتا بلاتفورمز" للمجال تظهر في الهند مع ترقب تأثيرها في هيمنة الثلاثة الكبار على الحوسبة السحابية

ميزة الهند التنافسية باتت استخدام الطاقة النظيفة لتشغيل مراكز الذكاء الاصطناعي بأقل تكلفة

أداني أبرم شراكة لتوفير البنية التحتية لـ"جوجل".. وأمباني يشيد مركز بيانات بقدرة 168 ميجاوات مع "ميتا"

عامل الجذب الحقيقي للشركات الهندية يتمثل في السيادة على البيانات

 الخلاصة

الهند ساحة المعركة الجديدة. شراكة "ميتا" و"ريلاينس" ترفع المنافسة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، وتضع طموحات أداني تحت الضغط.

مع تعهد مارك زوكربيرج بضخ مئات مليارات الدولارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، تساءل المشككون عن الكيفية التي ستحقق بها إمبراطوريته لوسائل التواصل الاجتماعي أرباحاً من هذا الرهان المكلف. بات لدينا اليوم إجابة مقنعة؛ "ميتا بلاتفورمز" تعمل على تحويل عبء الإنفاق الرأسمالي إلى مصدر جديد للإيرادات.

تعتزم مبادرة داخلية تحمل اسم "ميتا كومبيوت" (Meta Compute) تأجير فائض قدرات الحوسبة للعملاء من المؤسسات، بحسب ما كشفته "بلومبرغ" الأسبوع الماضي نقلاً عن مطلعين على الأمر. ولم يتضح بعد حجم تأثير هذه الخطوة في تقليص هيمنة الثلاثي المتصدر لمجال الحوسبة السحابية؛ "مايكروسوفت" و"ألفابت" و"أمازون". لكن لمعرفة أين ستظهر أولى تداعياتها، يجدر النظر إلى الهند.

فدخول زوكربيرج إلى سوق قدرات الحوسبة السحابية يوشك أن يغير معالم المنافسة المحتدمة بين اثنين من أثرى أقطاب الأعمال في آسيا، موكيش أمباني وجوتام أداني، بشكل جذري.

خطط أداني تصطدم بطموحات أمباني

حتى وقت قريب، يبدو أن أداني يتقدم في سباق الاستثمار المحموم في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في الهند، فقد واصل التوسع بوتيرة سريعة في بناء مراكز البيانات الضخمة للحوسبة السحابية، وأبرم شراكة مهمة لتوفير البنية التحتية لـ"جوجل". وبالنسبة لملياردير متخصص في الموانئ والمطارات وشبكات الكهرباء، فإن التوسع وتشييد مراكز البيانات وأنظمة تبريدها يبدو تطوراً طبيعياً لنشاطه.

لكن هذه الخطط تصطدم بطموحات أمباني، فإذا كانت البنية الرقمية تمثل محوراً بديهياً لتوسع إمبراطورية أداني المتخصصة في البنية التحتية، فإن الذكاء الاصطناعي المخصص للعملاء من الأفراد والشركات يحظى بالأهمية نفسها لدى "ريلاينس إندستريز" (Reliance Industries)، الشركة الرئيسية في إمبراطورية أمباني، إذ تسعى المجموعة إلى طرح عام أولي لأسهم "جيو بلاتفورمز" (Jio Platforms)، وحدة الاتصالات والإعلام التي أُسست قبل 10 سنوات، مع منحها طابعاً تقنياً. وتجدر الإشارة إلى أن "ميتا" استحوذت على حصة 9.99% في "جيو" في 2020.

لا يملك أمباني ولا أداني أي حضور في قطاع تعهيد خدمات البرمجيات، وهو ما يصب في مصلحتهما، من وجهة نظرهما. فقد قلب ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي المعادلة الاقتصادية لأكبر قطاع خدمي تصديري في الهند. ولم تعد الميزة التنافسية للبلاد تتمثل في شبابها المدربين تقنياً والمتقنين للغة الإنجليزية، والمستعدين للعمل مقابل جزء يسير من أجور المبرمجين في الغرب، بل أصبحت في قدرة المستثمرين على توظيف الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي بأقل تكلفة.

"ميتا" أول عملاء مشروع إمباني العملاق للطاقة النظيفة

أصبح مركز تطوير البرمجيات في بنجالورو، جنوبي الهند، الموقع الذي يطور فيه مهندسو "ميتا" رقائق الشركة، فيما تتصدر جوجارات، على الساحل الغربي للبلاد، توليد الطاقة اللازمة لتشغيل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. وهناك شيّد أداني أكبر مشروع للطاقة النظيفة على مستوى العالم في موقع واحد، ضمن خطة لاستثمار 100 مليار دولار لتعزيز قدرات الحوسبة للذكاء الاصطناعي.

أما أمباني، فيرفع حالياً سقف المنافسة بمنشأة على مساحة 550 ألف فدان، ما يعادل 3 أمثال مساحة سنغافورة. وتقول المجموعة: إن المنشأة ستصبح أحد أقل مصادر الكهرباء الخضراء -التي تعمل على مدى الساعة- تكلفةً في العالم.

السيادة على البيانات عامل الجذب الحقيقي للشركات الهندية

وقد وصل بالفعل أول عميل لهذه الطاقة، فأعلن أمباني الشهر الماضي عن شراكة مع "ميتا" لإنشاء مركز بيانات بقدرة 168 ميجاوات في جامناجار بولاية جوجارات. تبدو الصفقة من الناحية النظرية عقداً تقليدياً لتأجير البنية التحتية، إلا أن الجاذبية الحقيقية بالنسبة إلى الشركات الهندية، التي ستتحمل في نهاية المطاف تكلفة قدرات الحوسبة، تكمن في السيادة على البيانات.

ففي القطاعات الخاضعة لتنظيم صارم، مثل الخدمات المصرفية والتأمين والاتصالات والرعاية الصحية والدفاع، مثلت الحوسبة السحابية تحدياً معقداً على صعيد الامتثال التنظيمي حتى من قبل ظهور الذكاء الاصطناعي. وعادة ما يؤدي نقل بيانات العملاء الحساسة إلى السُحُب العامة، التي تهيمن عليها الشركات الأمريكية "أمازون" و"جوجل" و"مايكروسوفت"، إلى إخضاع المؤسسات لتدقيق تنظيمي مكثف بشأن مكان تخزين البيانات والجهات التي يمكنها الوصول إليها.

وهنا قد يعيد التحالف بين "ريلاينس" و"ميتا" رسم معالم المنافسة. فمن المحتمل أن يتمكن أحد البنوك في مومباي من تعديل نموذج ذكاء اصطناعي "مفتوح الأوزان" بما يلائم احتياجاته، وأتمتة عمليات تقييم الجدارة الائتمانية عبر الاستفادة من الخوادم الموجودة في جامناجار، من دون عبور بايت واحد من البيانات المالية الشخصية حدود الهند. وبذلك، يبقى محرك الذكاء الاصطناعي وبيانات المؤسسات الحساسة التي تغذيه داخل الأراضي الهندية وتحت سيطرة "ريلاينس إنتربرايز إنتليجنس" (Reliance Enterprise Intelligence)، التي تملك فيها المجموعة المحلية حصة 70%، و"ميتا" 30%.

"ميتا" تتوسع إلى التجارة والمدفوعات الإلكترونية في الهند

شيّدت الشركات الثلاث، "أمازون ويب سيرفيسز"، و"مايكروسوفت أزور"، و"جوجل كلاود"، إمبراطورياتها على خدمات تخزين بيانات الشركات لأغراض عامة. وبينما قد لا يكون لدى "ميتا" اهتمام باستضافة برامج الرواتب لشركة ما، فأمامها مسارات أخرى لتحفيز طلب المؤسسات، فقد عيّن زوكربيرج في الآونة الأخيرة أحد رواد التكنولوجيا المالية الهنود لإدارة تطبيق "واتساب" على مستوى العالم، في إطار مساعيه لتوسيع هيمنته على مشهد وسائل التواصل الاجتماعي في الهند ليشمل مجالي التجارة والمدفوعات الإلكترونية.

ولدى الهند بالفعل مطورون لهم خبرة في بناء روبوتات الدردشة باستخدام "لاما"، فيما تتمثل الخطوة التالية في "ميوز سبارك" (Muse Spark). وقد يشكل محرك الذكاء الاصطناعي الذي طورته "ميتا" خصيصاً للتعامل مع التجارة القائمة على المحادثات (conversational commerce)، الأداة التي تحتاجها الشركات المحلية لتشغيل متاجرها الرقمية.

شراكة "ميتا" و"ريلاينس" ترفع سقف المنافسة بين قطبي الأعمال

لا يبدو أن أمباني، البالغ من العمر 69 عاماً، ولا منافسه الأصغر بـ5 سنوات، متحمسان لخوض رهانات جريئة وعالية المخاطر بمليارات الدولارات، كتلك اللازمة لبناء نماذج الذكاء الاصطناعي الأساسية من الصفر. فهذا مجال كثيف رأس المال، ويبدو أنهما راضيان بتركها لـ"وادي السيليكون" والصين. وفي التقسيم العالمي للعمل في مجال الذكاء الاصطناعي، تفضل مجموعات الشركات الهندية تشييد البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بدلاً من تطوير النماذج الأساسية.

ويظل أداني لاعباً قوياً في المجال، ولا سيما في ظل شراكته الإستراتيجية مع "جوجل". وإلى جانب الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لدى قطب الأعمال خطط كبيرة في مجال الطاقة النووية، الذي كان حكراً على الدولة قبل أن يُفتح في الآونة الأخيرة أمام الشركات الخاصة. وقد يشكل ذلك ورقة إضافية في جعبته تساعد على خفض تكلفة الوحدات النصية، عبر توفير إمدادات الحمل الأساسي من الكهرباء بلا انقطاع، واللازمة لتشغيل خدمات الذكاء الاصطناعي على مدى الساعة.

ومع ذلك، رفعت الشراكة بين "ميتا" و"ريلاينس" سقف المنافسة. فمن منظور زوكربيرج، تمثل الهند المختبر الأمثل لإثبات قدرة "ميتا" على النجاح في خدمات الحوسبة السحابية المخصصة للمؤسسات. أما بالنسبة لأمباني، فإنها دليل جديد على أن براعته في بناء التحالفات هي ما تجعله من أبرز اللاعبين في ساحة الرأسمالية الهندية.

كاتب عمود في بلومبرغ ويغطي الشركات الصناعية والخدمات المالية. وكان في السابق كاتب عمود في رويترز بريكنج فيوز. وقد عمل أيضًا في Straits Times وET NOW وBloomberg News.

خاص بـ "الشرق بلومبرغ"

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية