الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأربعاء, 3 يونيو 2026 | 17 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

«خوارزميات الحوكمة» بين مسطرة الامتثال وقسطرة الاعتدال

بكر الهبوب
الأربعاء 3 يونيو 2026 12:43 |3 دقائق قراءة

تركز المؤسسات كثيراً على من يملك سلطة القرار، بينما يكمن التأثير الأكبر أحياناً فيمن يملك سلطة تشكيله. فاختيار المعلومات، وترتيب الأولويات، وتوقيت عرض الملفات، عوامل تسبق القرار لكنها كثيراً ما تحدد اتجاهه. ومن هنا بدأ الجدل حول خوارزميات المنصات الرقمية، ومنها يمكن فهم جانب مهم من تحديات الحوكمة داخل المؤسسات.

ولهذا لا تكشف محاضر الاجتماعات وحدها كيف صُنعت القرارات. فالكثير منها يتشكل قبل التصويت عليه، عبر «خوارزميات الحوكمة». وتتشكل هذه الخوارزميات من جداول الأعمال، وتدفق المعلومات، وترتيب الملفات، وتوقيت عرضها. ومن يملك التأثير في هذه العناصر يملك أثراً كبيراً في النتيجة النهائية، حتى لو بدت الإجراءات سليمة. 

وعندما تُدار هذه الخوارزميات بما يخدم مراكز النفوذ، تتراجع الحوكمة عن وظيفتها في الضبط والتوازن، وتتحول إلى أداة سيطرة ناعمة، نظامية في ظاهرها ومنحازة في جوهرها.

إذا كانت «مسطرة الامتثال» تقيس مدى الالتزام بالإجراءات، فإنها لا تكشف بالضرورة الكيفية التي يتشكل بها القرار داخل المؤسسة. تُقاس القرارات بطول مسارها الإجرائي أكثر من أثرها الفعلي، ويُحتفى بسلامة النموذج أكثر من سلامة النتيجة. فإذا مر القرار عبر اللجنة المختصة، وحمل التوقيعات المطلوبة، وانسجم مع السياسة المكتوبة، عُدّ قراراً صحيحاً من الناحية الشكلية. 

لكن الامتثال لم يُصمم لقياس عدالة القرار أو توازن المصالح، بل لقياس الالتزام بالإجراءات. وهكذا يُختزل جوهر الحوكمة في امتثال شكلي يسمح بتمرير ما لا يُقال ما دام صيغ بطريقة أنيقة.

أما «قسطرة الاعتدال» فتنصرف إلى فحص المسار الذي يتشكل عبره القرار قبل صدوره. وهي ليست طبقة إضافية من الإجراءات، ولا لجنة جديدة، بل مراجعة لمواضع النفوذ داخل منظومة القرار، من إعداد جداول الأعمال وتدفق المعلومات إلى ترتيب الأولويات وتوجيه النقاشات. 

ويكشف فحص هذه العناصر جودة الحوكمة أكثر مما تكشفه مئات الصفحات من السياسات والأدلة الإجرائية. فقسطرة الاعتدال تنقل المؤسسة من الامتثال الشكلي إلى الالتزام الحقيقي، ومن استيفاء المتطلبات إلى تحقيق الغاية التي وضعت من أجلها. فالمؤسسات لا تتعثر بسبب نقص اللوائح بقدر ما تتعثر بسبب اختلال التوازن بين النفوذ والمساءلة.

وليس أدل على هذا الخلل من حالات شهيرة مثل «إنرون» و«فولكس فاجن».فقد كانت اللجان قائمة، والمراجعات مستمرة، وسياسات الإفصاح معتمدة. لكن مراكز النفوذ امتلكت قدرة أكبر على توجيه القرار من قدرة منظومة الحوكمة على ضبطه. وهو النمط ذاته الذي رصده تقرير مصرفي أوروبي عند تحليل التحكم في جداول الأعمال وتوقيت عرض الملفات الحساسة.

وتشير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية «OECD» إلى أن دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حققت تقدماً في تبني أطر الحوكمة، لكنها ما زالت تواجه تحدياً في تحويلها إلى ممارسة فعلية داخل المؤسسات. فالحوكمة تُدرج أحياناً في الخطط والتقارير، بينما يظل تأثيرها محدوداً في توزيع السلطة وآليات المساءلة.

وتزداد المخاطر عندما تتراجع الاستقلالية المهنية للشركات الاستشارية أو المراجعين الخارجيين. عندها تتحول الاستشارة من أداة تقييم إلى أداة تبرير، ويصبح ما يُعرض على المؤسسة انعكاساً لتفضيلات أصحاب النفوذ أكثر من كونه اختباراً لها. وهنا تفقد «أفضل الممارسات» وظيفتها الرقابية، وتتحول إلى غطاء مهني يمنح القرارات المنحازة حصانة شكلية.

غير أن القسطرة نفسها ليست ضمانة مطلقة. فقد تتحول إلى أداة أخرى للسيطرة إذا صُممت لخدمة طرف بعينه. بعض لجان الإصلاح تُفصل على مقاس أصحاب النفوذ، وبعض عمليات التدقيق تنتهي إلى تبرير القرار بدلاً من تقييمه. وعندها يصبح العلاج جزءاً من المشكلة. بل إن الإفراط في الإجراءات ولجان المراجعة قد يكشف خللاً في البيئة المؤسسية أكثر مما يعكس تعافياً منها.

تكمن معضلة الحوكمة في التمييز بين الامتثال والعدالة. فجوهر الحوكمة لا يتمثل في عدد السياسات ولا في كثرة اللجان، بل في إخضاع أصحاب النفوذ للمعايير نفسها التي يطبقونها على غيرهم. فالامتثال يمنح المؤسسة الانضباط، لكن الاعتدال يمنحها العدالة. وعندما تنحاز خوارزميات القرار لطرف واحد، تتحول الحوكمة إلى إدارة للإجراءات. وعندما تحقق التوازن بين النفوذ والمساءلة، تؤدي وظيفتها الأصلية في حماية المؤسسة وجميع المستثمرين فيها.

مستشار قانوني

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية