د. بكر عبداللطيف الهبوب
أدركت الحضارات مبكراً أن الخبز ليس مجرد سلعة، بل ركيزة للاستقرار الاجتماعي تستوجب رقابة الدولة. ويشهد التاريخ أن الحضارة الإسلامية أرست معالم ذلك في نظام الحسبة منذ القرن الثامن الميلادي، حيث وضعت ضوابط للجودة، والوزن، والنزاهة التجارية، وسلامة الغذاء، بما يظهر وعياً مبكراً بأن الغذاء يدخل في صميم مسؤوليات السلطة العامة.
وبعد ذلك بقرون، صدر في إنجلترا خلال القرن الثالث عشر قانون ينظم وزن الخبز وسعره لحماية الناس من الغش وضبط الأسواق. ومع اختلاف السياقات التاريخية، تؤكد هذه التجارب أن تنظيم الغذاء ليس وليد العصر الحديث، بل فكرة تطورت عبر حضارات متعددة، قبل أن تنتقل من حماية السوق إلى بناء سياسة صحية تستهدف تحسين البيئة الغذائية وصحة المجتمع.
وتكشف التجارب الدولية أن التشريع الغذائي لم يعد يؤدي وظيفة واحدة، بل أصبح أداة متعددة الأبعاد. ففي ألمانيا، اتجه التنظيم إلى حماية هوية الخبز وجودته من خلال تعريفات دقيقة لأنواعه ومكوناته، بما يصون التراث الغذائي ويمنع التضليل التجاري.
وفي الولايات المتحدة، امتدت الحماية إلى ضبط الادعاءات التسويقية عبر تعريفات قانونية للمصطلحات الغذائية، بينما اتخذت بريطانيا وفرنسا منحى أكثر ارتباطاً بالصحة العامة، من خلال تدعيم الدقيق بالعناصر الغذائية، ووضع ضوابط تحد من المكونات التي تقلل القيمة الصحية للخبز. ورغم اختلاف هذه النماذج، فإنها تنطلق من فلسفة واحدة؛ فالقانون لم يعد يكتفي بتنظيم السوق، بل أصبح يصمم البيئة الغذائية التي يعيش فيها المستهلك.
وتبرز قيمة هذا التحول في نتائجه العملية؛ فقد أسهم تدعيم الدقيق بحمض الفوليك في أستراليا في خفض معدلات التشوهات الخلقية، كما أدى خفض الملح تدريجياً في الخبز والأغذية المصنعة في فرنسا إلى تحسين مؤشرات الصحة العامة والحد من عوامل الخطر المرتبطة بأمراض القلب. ولم تتحقق هذه النتائج عبر التوعية وحدها، بل لأن التشريع انتقل من توجيه المستهلك إلى تحسين المنتج نفسه، فأصبح الخيار الصحي هو الخيار المتاح.
وانطلاقاً من الفلسفة ذاتها، ربطت الهند بين الأمن الغذائي والتغذية بإدخال حبوب محلية غنية بالعناصر الغذائية ضمن برامجها الغذائية، في نموذج يجمع بين تحسين الصحة، وتعزيز الأمن الغذائي، ودعم التنمية الزراعية. وهكذا لم يعد التشريع الغذائي مجرد وسيلة لتنظيم الأسواق، بل استثماراً طويل الأجل في صحة الإنسان ورأس المال البشري.
أما في العالم العربي، فقد انصب الاهتمام لعقود على وفرة الخبز واستقرار سعره، وهي أهداف لا غنى عنها، لكنها لم تعد كافية في ظل تصاعد الأمراض المزمنة. وفي السعودية، تمثل اللائحة الفنية التي حددت الحد الأقصى للملح في الخبز خطوة مهمة تظهر إدماج الاعتبارات الصحية في التنظيم الغذائي، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب سياسة تشريعية أكثر شمولاً تتكامل فيها التشريعات الصحية والغذائية والزراعية والاقتصادية، بحيث تصبح جودة الغذاء هدفاً نظامياً مشتركاً، ويقترن دعم الخبز بدعم قيمته الغذائية، لا بتوفيره وحده.
ولعل المفارقة أن المائدة السعودية عرفت تاريخياً خبز الشعير والدخن والحبوب الكاملة، قبل أن يهيمن الدقيق الأبيض على أنماط الاستهلاك الحديثة. ولم يكن ذلك مجرد تغير في الذائقة، بل تحولاً في البيئة الغذائية صاحَبَ تصاعد الأمراض المزمنة. ومن ثم، فإن استلهام الموروث الغذائي المحلي لا يمثل حنيناً إلى الماضي، بقدر ما يتيح بناء إطار تشريعي حديث يجعل السياسة الصحية مرجعاً للسياسة القانونية.
لقد أثبتت التجارب أن أكثر السياسات الصحية نجاحاً لا تبدأ في المستشفيات، بل في المخابز والمزارع والمصانع، حيث يُصاغ الغذاء قبل أن يصل إلى المستهلك. وعندما تسترشد السياسة القانونية بأهداف السياسة الصحية، يتحول التشريع إلى أداة وقائية تبني مجتمعاً أكثر صحة، وتخفض تكلفة العلاج، وترفع جودة الحياة. وعندها لا يصبح الرغيف مجرد غذاء يومي، بل أحد أكثر أدوات السياسة العامة هدوءاً وتأثيراً، حيث يكتب القانون وصفته قبل أن تصل إلى مائدة كل أسرة.
مستشار قانوني
