محمد الماضي
لم تعد مراكز البيانات "مرافق تقنية" تعمل في الخلفية، بل تحولت إلى أصل إنتاجي يوازي في أهميته الطرق والموانئ والطاقة في الاقتصاد الصناعي. في الاقتصاد الرقمي، لم تعد القدرة على الحوسبة خدمة مساندة، بل أصبحت شرطا تنافسيا للدول والشركات، ومن يملكها يملك جزءا من مستقبل الإنتاج والخدمات.
قدرت شركة McKinsey إن العالم قد يحتاج إلى نحو 6.7 تريليون دولار من الاستثمارات التراكمية في مراكز البيانات بحلول 2030 لمجاراة الطلب المتسارع على الحوسبة، وأن الجزء الأكبر من هذا الإنفاق سيتجه إلى مراكز بيانات قادرة على تشغيل أحمال الذكاء الاصطناعي. وفي سوق التشغيل نفسه، تتوقع مؤسسة Fortune Business Insights نمو سوق مراكز البيانات عالميا من 269.79 مليار دولار في 2025 إلى 584.86 مليار دولار بحلول 2032، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 11.7%. هذه ليست مجرد دورة تقنية عابرة، بل سباق اقتصادي عالمي على مورد جديد اسمه "القدرة الحاسوبية".
لكن هذا السباق يصطدم اليوم بعنق زجاجة حقيقي هو الكهرباء. فتكلفة الطاقة باتت العامل الحاسم في جدوى تشغيل مراكز البيانات، خصوصا مع أحمال الذكاء الاصطناعي كثيفة الاستهلاك. لذلك بدأت تظهر اختناقات في الشبكات الكهربائية لدى دول عدة، وتأجيل لمشاريع، ونقاشات تنظيمية متزايدة حول التكلفة.
في هذا السياق، تبرز السعودية كحالة مختلفة. تقرير لمجلة The Economist والذي أشار إلى أن المملكة تسعى لأن تكون مقرا لأرخص مراكز بيانات في العالم من حيث تكلفة التشغيل، مستفيدة من وفرة الموارد وتكلفتها التنافسية وتوافر الأراضي وسرعة تنفيذ المشاريع. الفكرة هنا ليست بناء عدد أكبر من المراكز فحسب، بل إعادة تعريف قاعدة التكلفة العالمية للحوسبة، بحيث تصبح السعودية المكان الذي تلجأ إليه الشركات عندما تبحث عن تشغيل الذكاء الاصطناعي بأقل تكلفة ممكنة.
هذا الطموح تدعمه أرقام النمو المحلية. تقرير S&P Global يشير إلى أن سوق مراكز البيانات في المملكة مرشح لتحقيق معدل نمو سنوي يقارب 29% حتى 2030، مدفوعا برؤية 2030 واستثمارات الذكاء الاصطناعي وميزة الموارد المتاحة. وهذا النمو لم يعد نظريا عندما ننظر إلى الاستثمارات الفعلية على الأرض.
فقد أعلن عن مشروع مشترك بين center3 التابعة لمجموعة وشركة هيوماين لتطوير مراكز بيانات مخصصة للذكاء الاصطناعي داخل المملكة، يستهدف الوصول إلى سعة تشغيلية تبلغ 1 غيغاوات، مع بدء التشغيل بسعة أولية تقارب 250 ميغاوات. هذا ليس توسعا في "الاستضافة" بقدر ما هو الانتقال من شراء القدرة الحاسوبية إلى إنتاجها على نطاق صناعي، ومن الاعتماد على سلاسل تشغيل خارجية إلى بناء طبقة "الحوسبة الثقيلة" التي يقوم عليها اقتصاد الذكاء الاصطناعي عالميا.
ولا يقتصر الطموح السعودي على وفرة الموارد أو حجم الاستثمارات، بل يتسع ليشمل بناء إطار تنظيمي مخصص للاقتصاد الرقمي والحوسبة. فقد أطلقت السعودية المنطقة الاقتصادية الخاصة للحوسبة السحابية والمعلوماتية لتوفير بيئة تشريعية ومحفزات تستهدف الشركات التي تبني وتشغل مراكز البيانات وتقدم خدمات الحوسبة داخل البلاد. هذه الخطوة لا تقرأ بوصفها استقطابا لاستثمار تقني فحسب، بل كتصميم لمنظومة اقتصادية تجعل السحابة والحوسبة المتقدمة نشاطا محليا قابلا للتوسع والتراكم.
وتكتمل المعادلة مع التزام السعودية بأن يأتي 50% من توليد الكهرباء من مصادر متجددة بحلول 2030، ما يمنح مراكز البيانات ميزة إضافية في زمن أصبحت فيه الاستدامة معيارا استثماريا وليس خيارا أخلاقيا فقط.
في جوهر التحول، يتضح أن مراكز البيانات لم تعد بنية تقنية هامشية، بل منصة يتشكل حولها اقتصاد جديد. وحين تجمع دولة بين وفرة الموارد والأرض ورأس المال والطموح الإستراتيجي، فهي لا تضيف بنية تحتية رقمية إلى خريطتها فحسب، بل تعيد تموضعها داخل الاقتصاد العالمي. من هنا تتحرك السعودية من موقع المستهلك للبنية الرقمية إلى موقع المنتج والمصدر للخدمات الرقمية، وبشكل خاص خدمات الحوسبة. والفارق الجوهري هنا هو الانتقال من استهلاك الحوسبة إلى بناء اقتصاد يقوم عليها.
كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال
