الاثنين, 28 سبتمبر 2026|15 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

يقال إن الصحراء لا تجامل أحدًا.. فالمسافات فيها شاسعة، والموارد محدودة، والحرارة قاسية. ومن يعيش بين رمالها لا يملك ترف انتظار الظروف المثالية، فالبقاء فيها يحتاج إلى أمر يتجاوز الصبر، وهو التكيف. والمتأمل في تاريخ بلادنا يجد هذا المبدأ متأصلًا في قصص نرويها اليوم بكل فخر.

في 1926، كانت جدة تقف أمام البحر الأحمر بكل مياهه، لكنها تعاني شح المياه العذبة، فأمر الملك المؤسس عبدالعزيز -رحمه الله- باستيراد آلتين لتقطير مياه البحر لخدمة السكان والحجاج. فإذا لم توفر لنا الطبيعة ما يكفينا من الماء العذب، فلماذا لا نصنعه من البحر؟ بدأت المملكة بآلتين، واليوم أصبحت أكبر منتج للمياه المحلاة في العالم. وفي العام نفسه تقريبًا، أُنشئت مديرية المعارف، وكانت تشرف في بدايتها على أربع مدارس فقط في بلد مترامي الأطراف. واليوم تنتشر المدارس والجامعات ومراكز الأبحاث في أنحاء السعودية، وبين أربع مدارس وما نراه اليوم قصة طويلة عنوانها بناء الإنسان.

ومرت السنوات، وكبرت البلاد، وكبرت معها التحديات. ففي 1990 اجتاح العراق الكويت، وأصبحت الحرب فجأة على حدود السعودية. تعطلت إمدادات العراق والكويت وارتبكت أسواق النفط، فرفعت المملكة إنتاجها للمساعدة في تعويض الإمدادات المفقودة. كانت تدير أزمة أمنية على حدودها، وفي الوقت نفسه تساعد على استقرار أسواق الطاقة العالمية. نعم، كانت الحرب على حدودها، لكن السعودية لم تتوقف!

وبعد 3 عقود تقريبًا، جاء تحدٍ من نوع آخر. ففي صباح 14 سبتمبر 2019، تعرضت منشأتا بقيق وخريص لهجوم إرهابي أخرج نحو 5.7 ملايين برميل يوميًا من الإنتاج السعودي. ولا أنسى حديث و وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية الأمير عبد العزيز بن سلمان عندما عاد لاحقًا إلى تلك الأحداث ووصف الأزمة؛ فالأمر لم يكن مجرد منشآت تعطلت، بل وطن بنى على مدى عقود سمعته في موثوقية إمداد العالم بالطاقة. لكن لحظة الازمة تحولت سريعًا إلى فخر؛ فعاد إنتاج خريص خلال 24 ساعة، وبدأت بقيق بالعودة بعدها بأيام، فتحول السؤال من: متى ستعود السعودية؟ إلى: كيف عادت بهذه السرعة؟ نعم، توقفت المنشآت، لكن السعودية لم تتوقف!

ولم تمضِ سوى 3 أشهر حتى جاء اختبار مختلف. ففي 2020 أغلقت جائحة كورونا الحدود، وتوقفت الطائرات، وكانت السعودية أمام سؤال استثنائي دون بقية دول العالم وهو: ماذا نفعل بالحج؟ فتجمع الملايين كان يمثل خطرًا جسيمًا، ولذلك أقامت السعودية الحج بأعداد محدودة وإجراءات صحية استثنائية، ثم انحسرت الجائحة وعاد الحجاج بالملايين. نعم، توقف العالم، لكن السعودية لم تتوقف!

قد تبدو هذه القصص متباينة في أحداثها وأزمانها، لكنها في نظري تحمل شيئًا مشتركًا يتكرر في كل مرة وهو القدرة على التكيف مع الواقع الجديد، ثم تحويل التحدي إلى عمل، والعمل إلى نتيجة. وهذه المرونة ليست شيئًا صنعته وفرة النفط أو الإمكانيات الحديثة، فقد عجنتها الصحراء في شخصية الإنسان السعودي قبل أن نعرف لها اسمًا في كتب الإدارة والهندسة؛ علّمته قسوتها الصبر، وندرة مواردها التكيف، واتساعها الاعتماد على النفس. تغيرت الأزمنة، لكن شيئًا من تلك الروح بقي كما هو.

ولهذا، عندما تابعت هذا الأسبوع عودة خط شرق–غرب تدريجيًا إلى العمل بعد توقفه، لم أرَ مجرد خط أنابيب بدأ ضخ النفط من جديد، بل رأيت أحدث فصل في قصة الإنسان السعودي نفسها. نعم، توقف الخط، لكن السعودية لم تتوقف! وما كان يومًا قدرة على التكيف مع قسوة المكان، أصبح اليوم قدرة دولة على التعامل مع الأزمات والاستمرار رغم تغير الظروف. ومن هنا تتحول المرونة إلى شيء أكبر في نظر العالم: الموثوقية.

فالموثوقية في عالم الطاقة لا تعني ألا تتعرض منشآتك لهجوم أو بنيتك التحتية للتعطل؛ فهذا لا تستطيع أي دولة ضمانه. الموثوقية الحقيقية هي أن تكون مستعدًا عندما تقع الأزمة، وأن تملك البديل عندما يتعطل المسار، وأن تعود سريعًا عندما تتوقف الأشياء. فالنفط وحده لا يجعل الدولة موردًا موثوقًا للطاقة، بل المنظومة التي بُنيت حوله؛ المخزونات، والموانئ، والمسارات المتعددة. وقبل ذلك كله، الإنسان الذي يدير هذه المنظومة عندما لا تسير الأمور كما كان مخططًا لها.

وقد نشاهد عند كل أزمة كثيرًا من التشكيك، وأحيانًا شيئًا من التشفي، من أصوات في الشرق والغرب. وقد يراهن البعض على تعثر السعودية، وربما يتمنى آخرون خسارتها لكننا كدأبنا في السعودية لا نحتاج إلى كثير من الضجيج؛ نتكيف، ونعمل، ثم نترك النتائج تتحدث عنا. هكذا فعلت هذه البلاد وأهلها مرارًا وتكراراً، وهكذا ستبقى، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها!

أكاديمي وباحث في شؤون الطاقة

منتدى الاقتصادية 2026