الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الاثنين, 25 مايو 2026 | 8 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

حين تتغير مصادر القيمة

محمد الماضي
الجمعة 13 مارس 2026 13:40 |2 دقائق قراءة


محمد الماضي

لم تعد قيمة الشركات الكبرى تُقاس بما تملكه من مصانع أو أصول صناعية، بل بما تمتلكه من بيانات وبرمجيات وملكية فكرية. فمع التحول نحو الاقتصاد الرقمي بدأت معايير القيمة الاقتصادية نفسها تتغير، وأصبحت الأصول غير الملموسة تؤدي دوراً متزايد الأهمية في تحديد قوة الشركات والاقتصادات.

في القرن العشرين كان المصنع يمثل رمز القوة الاقتصادية. فالدول التي تمتلك قدرة صناعية أكبر كانت عادة الأكثر تأثيراً في الاقتصاد العالمي. أما اليوم، فقد أصبح جزء متزايد من القيمة الاقتصادية قائماً على عناصر غير مادية يصعب قياسها بالمعايير التقليدية التي صُممت للاقتصاد الصناعي.

وفي هذا السياق يوضح تقرير صادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية لعام 2025 أن الشركات في عدد من الاقتصادات المتقدمة باتت توجه استثمارات متزايدة إلى البرمجيات والبحث والتطوير والعلامات التجارية، بدلاً من الأصول المادية التقليدية. كما تمثل البرمجيات وقواعد البيانات نحو 18% من إجمالي الاستثمار في الأصول غير الملموسة، وهو ما يُبرز التحول المتسارع في مصادر القيمة داخل الاقتصاد الحديث.

كما تكشف بيانات حديثة من شركة Brand Finance أن قيمة هذه الأصول لدى أكبر شركات العالم بلغت نحو 97.6 تريليون دولار في 2025، بزيادة نحو 23% مقارنة بالعام السابق. وتُظهر هذه الأرقام تحولاً واضحاً في طبيعة الاقتصاد العالمي، حيث أصبح الجزء الأكبر من قيمة الشركات يعتمد على عناصر مثل العلامات التجارية والبرمجيات والبيانات والملكية الفكرية.

ويظهر هذا التحول بوضوح في شركات الاقتصاد الرقمي مثل Uber وAirbnb. فشركة Uber تُعد من أكبر شركات النقل التشاركي في العالم، لكنها لا تمتلك سيارات، بينما تدير Airbnb واحدة من أكبر منصات الإقامة السياحية دون أن تمتلك فنادق. وتعتمد قيمة هذه الشركات أساساً على المنصات الرقمية والبرمجيات وشبكات المستخدمين، وهي عناصر غير مادية أصبحت تمثل المصدر الرئيسي للقيمة الاقتصادية.

وهذا التحول يعكس تغيراً أعمق في طبيعة رأس المال في الاقتصاد الحديث، فالقيمة لم تعد ترتبط بما تملكه الشركات من أصول مادية بقدر ما ترتبط بما تمتلكه من معرفة وبيانات وقدرة على الابتكار.

ولا يقتصر هذا التحول على الشركات العالمية فقط، بل يظهر أيضاً في الاقتصادات التي تشهد تسارعاً في التحول الرقمي. ففي السعودية بلغ حجم الاقتصاد الرقمي نحو 495 مليار ريال، مسهماً بنحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق بيانات وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، ما يُظهر تزايد أهمية الأنشطة الرقمية في الاقتصاد الوطني.

ومع صعود الذكاء الاصطناعي قد يتسارع هذا التحول أكثر. فالذكاء الاصطناعي يعتمد أساساً على البيانات والخوارزميات والنماذج الرقمية، وهي عناصر غير مادية بطبيعتها. وهذا يعني أن الشركات التي تمتلك بيانات أكبر وقدرة أفضل على تطوير النماذج الذكية قد تمتلك ميزة تنافسية يصعب تقليدها.

في هذا المشهد الجديد، لم تعد القوة الاقتصادية والمكانة الإستراتيجية تقومان فقط على حجم الأصول المادية أو القوة العسكرية، بل على القدرة على إنتاج المعرفة وتوظيف البيانات وتحويل الابتكار إلى قيمة. وإذا كان المصنع قد مثل رمز القوة في القرن العشرين، فقد تصبح الأصول غير المرئية رمزها في القرن الحادي والعشرين.

كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية