الثلاثاء, 13 أكتوبر 2026|1 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

جاء تعميم هيئة السوق المالية الصادر في 17 سبتمبر، والمتعلق بمراجعة سياسات مكافآت أعضاء مجالس الإدارة واللجان المنبثقة عنها والإدارة التنفيذية، ليؤكد اتجاهًا مهمًا في تطوير ممارسات الحوكمة في السوق المالية السعودية. فالتعميم لم يكتفِ بالتأكيد على وجود سياسة للمكافآت، وإنما شدد على أن تتضمن معايير واضحة ترتبط بأداء عضو مجلس الإدارة وأداء الشركة، وأن يتم الإفصاح عن هذه المعايير والتحقق من تنفيذها.

وهي خطوة تعزز مبدأ بسيطًا في جوهره، لكنه بالغ الأهمية في الحوكمة: المكافأة يجب أن ترتبط بالأداء والمسؤولية والقيمة المضافة، لا بمجرد شغل المقعد.

ويأتي هذا التوجه ضمن مسار يبدو أن هيئة السوق المالية تعمل على تسريع وتيرته في الفترة الأخيرة، من خلال مراجعة عدد من الأطر التنظيمية المرتبطة بمجالس الإدارات وحقوق المساهمين والشفافية والمساءلة.

وقد اعتمدت الهيئة خلال العام الحالي كذلك تطوير الإطار التنظيمي لضوابط عزل أعضاء مجالس الإدارة بما يعزز قدرة المساهمين على متابعة أداء المجالس ومساءلتها. وهذه التحركات تظهر انتقال الحوكمة في السوق من التركيز على استيفاء المتطلبات النظامية إلى الاهتمام بصورة أكبر بفاعلية تلك المتطلبات وأثرها الحقيقي في أداء الشركات وحماية المستثمرين.

ولا شك أن ربط مكافآت أعضاء مجالس الإدارة بالأداء خطوة مهمة؛ لأنها تقلل من احتمالية تحول عضوية المجلس إلى منفعة مالية ثابتة لا تتأثر بما تحققه الشركة. لكنها، في تقديري، تقود إلى سؤال أكثر أهمية: من الذي يصل أصلًا إلى مقعد مجلس الإدارة؟ وكيف يتم اختياره؟ وهل نضمن أن المرشح يمتلك الخبرة والاستقلالية والقدرة على ممارسة دوره الرقابي والإستراتيجي قبل أن نناقش كيفية مكافأته؟

الممارسة المثالية للحوكمة تبدأ من تشكيل المجلس. فإذا لم يكن اختيار أعضاء مجلس الإدارة قائمًا على الكفاءة والخبرة والتنوع والاستقلالية واحتياجات الشركة الفعلية، فإن أفضل سياسات المكافآت واللوائح قد لا تكون كافية لإنتاج مجلس فاعل. فعضو مجلس الإدارة لا يفترض أن يمثل مجرد اسم أو علاقة أو حصة ملكية، وإنما يتحمل مسؤولية تجاه الشركة ومساهميها، ويشارك في رسم الإستراتيجية ومراقبة الإدارة التنفيذية وإدارة المخاطر وحماية استدامة الشركة.

وهذه القضية ليست سعودية، بل هي واحدة من أكثر قضايا الحوكمة تحديًا في شتى الأسواق. فالطبيعة البشرية والمصالح الاقتصادية وشبكات العلاقات تجعل من الصعب افتراض أن جميع عمليات اختيار أعضاء مجالس الإدارات تتم دائمًا بموضوعية كاملة.

وفي الشركات ذات الملكية المركزة أو العائلية قد تظهر هذه الإشكالية بصورة أوضح عندما يتركز عدد من مقاعد المجلس في أفراد العائلة أو الأطراف المرتبطة بالمساهم المسيطر.

وهذا الوجود لا يمثل في حد ذاته خللًا في الحوكمة، فقد يمتلك أفراد العائلة خبرات وقيمة حقيقية للشركة، لكن الإشكالية تبدأ عندما تصبح القرابة أو النفوذ هي معيار الاختيار على حساب الكفاءة، أو عندما يضعف المجلس عن ممارسة استقلاليته تجاه مصالح المساهم المسيطر.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين الاستقلال النظامي والاستقلال الفعلي. فقد يستوفي العضو تعريف الاستقلال من الناحية النظامية، لكنه لا يمارس بالضرورة استقلالًا حقيقيًا في التفكير والتصويت ومناقشة الإدارة أو المساهمين المؤثرين.

الاستقلال الحقيقي يعني قدرة العضو على قول «لا» عندما تستدعي مصلحة الشركة ذلك، وطرح الأسئلة الصعبة، ومناقشة القرارات الكبرى دون اعتبار لعلاقات شخصية أو مصالح خاصة، والنظر إلى مصلحة الشركة وجميع مساهميها باعتبارها المرجعية الأساسية للقرار.

لذلك فإن تطوير حوكمة مجالس الإدارات يحتاج، بالتوازي مع تنظيم المكافآت، إلى مزيد من الاهتمام بجودة عملية الترشيح والتعيين نفسها. ويمكن أن يشمل ذلك تحديد المهارات والخبرات التي يحتاج إليها المجلس قبل فتح باب الترشيح، وبناء مصفوفة واضحة لكفاءات أعضائه، والتأكد من ملاءمة خبراتهم لطبيعة نشاط الشركة ومخاطرها وإستراتيجيتها، والتحقق من الاستقلالية وتعارض المصالح بصورة موضوعية، إلى جانب التقييم الدوري لأداء المجلس وأعضائه وعدم التعامل مع إعادة التعيين باعتبارها إجراءً تلقائيًا.

كما أن لجنة الترشيحات والمكافآت ينبغي ألا تتحول إلى لجنة إجرائية مهمتها استقبال السير الذاتية ورفع الأسماء، بل يجب أن تكون أحد أهم أدوات تحسين جودة المجلس. فالسؤال ليس: هل لدينا عدد كافٍ من المرشحين؟ بل: هل هؤلاء هم أفضل من يمكنهم خدمة الشركة في هذه المرحلة؟ وهل يمتلك المجلس المزيج المناسب من الخبرة المالية والإستراتيجية والقانونية والقطاعية وإدارة المخاطر؟ وهل يستطيع أعضاؤه تحدي الإدارة التنفيذية بصورة مهنية ومستقلة؟

ما تقوم به هيئة السوق المالية من تطوير مستمر للحوكمة يمثل مسارًا مهمًا لنضج السوق، وتعميم المكافآت الأخير خطوة في الاتجاه الصحيح؛ لأنه يعيد ربط المنفعة بالمسؤولية والأداء.

غير أن المرحلة الأكثر تقدمًا في حوكمة الشركات ستكون عندما يمتد هذا الاهتمام من سؤال «كم ندفع لعضو المجلس؟» إلى سؤال أسبق وأكثر تأثيرًا: لماذا تم اختيار هذا العضو أصلًا؟ وما القيمة التي سيضيفها؟

فحوكمة مجلس الإدارة لا تبدأ من المكافأة، ولا من عدد الاجتماعات، ولا حتى من اكتمال السياسات واللوائح؛ بل تبدأ من جودة من يجلس حول الطاولة. وكلما كان الاختيار أكثر موضوعية، والاستقلالية أكثر حقيقة، والخبرات أكثر ملاءمة، أصبح المجلس أكثر قدرة على حماية حقوق المساهمين وصناعة القرار وتحقيق الاستدامة. وهذه، في النهاية، هي الممارسة المثالية للحوكمة.

أكاديمي متخصص في الحوكمة والمسؤولية الاجتماعية للشركات

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية