د. بكر عبداللطيف الهبوب
لا يتوقف دور المستثمر عند شراء السهم وانتظار ارتفاع قيمته أو توزيعاته. ففي الأسواق الأكثر نضجاً تطور تفاعل المساهمين إلى ممارسة مؤسسية تعرف بــ"نشطاء المساهمين" «Shareholder Activism»، تقوم على الحوار والتصويت والمساءلة والتأثير في الحوكمة والإستراتيجية وتخصيص رأس المال.
ويختلف ذلك عن «مناصرة السياسات» «Policy Advocacy» التي تتحرك عبر الغرف والجمعيات والكيانات المهنية للتأثير في التشريعات والسياسات العامة. الأول يخاطب الشركة ومجلس إدارتها، والثاني يخاطب البيئة التي تعمل فيها الشركات.
في السعودية تبدو حقوق المساهم أكثر تقدماً من مستوى تفعيلها الجماعي. فالأطر النظامية والتنظيمية تتيح أدوات للمشاركة والمساءلة، كما أتاحت تطورات السوق توسيع قاعدة المستثمرين المحليين والأجانب، مع بقاء الملكية الأجنبية خاضعة لسقوف وضوابط. ومع اتساع قاعدة المساهمين وتنوعها، يصبح «الإشراف النشط» «Active Ownership» أكثر أهمية، ويمكن للمستثمرين المؤسسيين، مثل صناديق التقاعد والتأمين والصناديق الوقفية، أن يكونوا شركاء طبيعيين فيه.
وتملك السوق السعودية بنية تقنية متقدمة، من التصويت الإلكتروني إلى الجمعيات العمومية الافتراضية، لكن التقنية لا تكفي وحدها. فالمشاركة قد تظل في كثير من الأحيان تصويتاً روتينياً بالموافقة، بينما يكمن التحدي في رفع وعي المساهم بجدول الأعمال وتحويل حق التصويت إلى أداة توجيه حقيقية.
ولا يزال النشاط الفعلي أقرب إلى رد الفعل الفردي منه إلى الإشراف النشط. تظهر الملاحظة في منصات وسائل التواصل الاجتماعي، وتتسع دائرة التعليقات، وقد تتحول إلى حملة إعلامية عبر وسمٍ أو «ترند»، ثم تنتهي عند حدود الخطاب. ليست المشكلة في وسائل التواصل، بل في غياب المسار الذي ينقل الملاحظة من فضاء الرأي إلى المؤسسة، ومن الانطباع إلى البيانات، ومن البيانات إلى موقف تصويتي موثق.
الإشراف النشط هو تحويل حق التصويت إلى قرار مبني على بيانات، لا إلى عادة سنوية. قد يبدأ بخطاب موثق إلى رئيس المجلس أو اللجنة المختصة، يليه حوار ومناقشة للأدلة، ثم توصية تصويت عند الحاجة.
وقد يتعلق الأمر بسياسة التوزيعات، أو صفقة جوهرية، أو هيكل المكافآت، أو ربط حوافز التنفيذيين بمؤشرات كفاءة رأس المال. والنشاط هنا يمارس حقوق الملكية ولا يتعدى صلاحيات مجلس الإدارة أو الإدارة التنفيذية.
وتكشف التجارب الدولية أن النشاط لا يعني بالضرورة الصدام. ففي بريطانيا أصبح الإشراف ممارسة مؤسسية تقوم على الحوار والتصويت والإفصاح، بينما طورت الولايات المتحدة أدوات مقترحات المساهمين والحملات الانتخابية، وتبرز التسويات المبكرة كبديل عن المواجهات الطويلة. أما اليابان فارتبط جانب مهم من الحوار بكفاءة استخدام الأصول، ومراجعة محفظة الأعمال، وتوزيع الفائض النقدي والعائد على رأس المال.
ولا ينبغي استنساخ هذه النماذج في السعودية كما هي. فتركيبة الملكية ووجود مساهمين كبار وتفاوت السيولة وطبيعة بعض الشركات العائلية أو الاستراتيجية تفرض تدرجاً مختلفاً. تخيل شركة مدرجة تحتفظ بسيولة كبيرة لسنوات بينما تتراجع كفاءة رأس المال والتوزيعات. قد يبدأ النقاش عبر وسائل التواصل، لكن الأثر الحقيقي يبدأ عندما يتحول إلى تحليل مالي، وخطاب رسمي، وحوار مع المجلس، ثم موقف تصويتي معلن ومبرر.
ويواجه هذا التحول حواجز عملية، منها تخوف صغار المساهمين من مخاطر التنسيق غير المعلن، وضعف وجود مستشارين مستقلين لتوكيلات التصويت «Proxy Advisors» يساعدون المستثمر على تحليل القرارات المعقدة. لذلك يمكن التفكير في كيان غير ربحي مستقل يقدم «دليل مساهم»، وتوصيات تصويت فصلية، وتحليلات للحوكمة، وسجلاً للإفصاح عن أي تنسيق أو تعارض مصالح، مع لجنة استشارية من المستثمرين المؤسسيين.
عندها يمكن أن ينتقل التفاعل من تجمعات رقمية إلى تكتلات مؤقتة وشفافة حول قضايا محددة، وأن يصبح أثرها قابلاً للقياس من خلال مشاركة المساهمين، ونسبة البنود التي يثيرونها، وأنماط التصويت، وجودة إفصاح مجالس الإدارات عن مبررات التوزيعات والصفقات الجوهرية.
ولا يخدم ذلك حقوق المساهمين وحدها، بل يمكن أن يعزز الثقة في الشركات المدرجة، ويحسن الحوار حول رأس المال والإستراتيجية، ويجعل السوق أكثر قابلية لاستقطاب رؤوس الأموال المؤسسية طويلة الأجل. كما يضيف النشاط المسؤول طبقة إنذار مبكر إلى منظومة الحوكمة، دون أن يحل محل هيئة السوق المالية أو مجلس الإدارة أو المراجع.
لهذا فإن حوكمة تفاعل المستثمرين لا تعني زيادة المعارضة، بل رفع جودة المشاركة. قوة المساهم ليست في حجم الحملة ولا في عدد المتابعين، بل في قدرته على ربط الملاحظة بالبيانات، والتوصية بالتصويت، والقرار بقيمة اقتصادية يمكن قياسها. والسوق الناضجة لا تخاف النقد، بل تمنحه مساراً مؤسسياً يحول الملاحظة إلى موقف، والموقف إلى تصويت، والتصويت إلى أثر اقتصادي قابل للقياس.
مستشار قانوني
