على مدار عقود، كانت سوق سندات الخزانة الأمريكية هي السوق المالية الأكثر سيولة وصلابة في العالم. وحتى في أوقات الضغوط، كان يُفترض أن تكون أدوات الخزانة قابلة للتداول بكميات كبيرة وبسرعة وبقليل من الاحتكاك - أي أن تكون ركيزة موثوقا بها للنظام المالي ككل. غير أن هذا الافتراض أصبح موضع شك في السنوات الأخيرة.
ويوضح الاختلال الشديد في أداء السوق، وتحديدا في مارس 2020 بل أيضا في أبريل 2025، أن حتى أسواق الأوراق المالية الأكثر أمانا في العالم يمكن أن تتعطل فجأة، مع ما يترتب على ذلك من عواقب تتجاوز بكثير تداول السندات الحكومية.
وتنشأ هذه المخاوف في سياق سوق سندات خزانة شهدت نموا كبيرا. فحاليا، تبلغ نسبة الدين الفيدرالي الذي يحمله الجمهور إلى إجمالي الناتج المحلي نحو 100%، وفي ظل موقف المالية العامة الحالي في الولايات المتحدة، ستواصل هذه النسبة ارتفاعها. كذلك أصبح القطاع المالي الخاص غير قادر على الوساطة بسلاسة في أدوات الخزانة نتيجة التوسع في إصدارها.
وفي دراسة صدرت أخيرا شارك في إعدادها جوناثان والين وجوشوا يونغر، نحلل ديناميكية التداول التي قد تؤدي إلى هشاشة سوق سندات الخزانة الأمريكية، واقترحنا طريقة جديدة لتدخل الاحتياطي الفيدرالي بشكل أكثر دقة عند تعطل أداء السوق. ونعرض هنا ملخصا للحجج الواردة في تلك الدراسة.
يشير التاريخ الحديث إلى أن فترات الضعوط الشديدة في سوق سندات الخزانة الأمريكية لا ترجع في الأساس إلى عوامل اقتصادية كلية مثل التغيرات في أسعار الفائدة، بل تنشأ من التفاعل الدقيق بين شركات إدارة الأصول، وصناديق التحوط، والوسطاء لحسابهم وحساب الغير الذين يهيمنون على تداول سندات الخزانة.
إن توصيتنا الأساسية بشأن السياسات لا تتمثل في تدخل الاحتياطي الفيدرالي على نحو أكثر تواترا، بل في تحسين تصميم هذا التدخل عندما يصبح أمرا لا مفر منه. وتوضح تجربة مارس 2020 ضرورة وجود آلية للدعم من البنك المركزي كما توضح تكلفة الاعتماد على أدوات غير دقيقة – وخاصة عمليات شراء السندات دون حماية تحوطية على نطاق واسع – التي تطمس الخط الفاصل بين دعم أداء السوق والسياسة النقدية. ومن شأن اتباع منهج موجه بدقة أكبر أن يكون فعالا بنفس القدر، وأن يحقق استقرار الأسواق بتكلفة أقل وآثار جانبية أقل.
السوق الحديثة
رغم الزيادة السريعة في المعروض من أدوات الخزانة، لم تقم جهات الوساطة التقليدية، وخاصة الوسطاء لحسابهم ولحساب الغير المنتسبون لبنوك، بتوسيع نطاق ميزانياتها العمومية بنفس الدرجة. إن لوائح ما بعد الأزمة المالية لعام 2008، مثل نسبة الرفع المالي التكميلية، إلى جانب المعايير المشددة لإدارة المخاطر، تجعل احتفاظ الوسطاء بمخزونات كبيرة حتى من الأصول الأكثر أمانا أمرا مكلفا.
وفي الوقت نفسه، نجد أن مختلف أنواع مؤسسات إدارة الأصول، بما في ذلك صناديق معاشات التقاعد وشركات التأمين وصناديق الاستثمار المشترك والصناديق الاستثمارية المتداولة في البورصة، تقوم بدور أساسي متزايد في سوق أدوات الخزانة. ورغم أن هذه المؤسسات عادة ما تكون لديها حوافز قوية للحفاظ على انكشافها لمخاطر أسعار الفائدة طويلة الأجل، فإنها تواجه قيودا في ميزانياتها العمومية وأهدافا لمحافظها الاستثمارية تثنيها عن الاحتفاظ بهذا الانكشاف بالكامل في سندات نقدية.
وبدلا من ذلك، غالبا ما تفضل هذه المؤسسات تحمل قدر كبير من مخاطر الائتمان لزيادة عائداتها مع استهداف مدة إجمالية طويلة نسبيا (الانكشاف لمخاطر أسعار الفائدة) لمحافظها الاستثمارية.
وللوصول إلى التعرض لمخاطر المدة المرغوبة، يتزايد استخدام شركات إدارة الأصول هذه للمراكز الاستثمارية المغطاة في المشتقات، مثل العقود المستقبلية لسندات الخزانة الأمريكية، ومبادلات أسعار الفائدة، مع الحفاظ على قدرة ميزانياتها العمومية على الاحتفاظ بأصول أخرى تحقق عائدا أعلى، مثل سندات الشركات. ويؤدي هذا الطلب على المراكز المغطاة إلى ارتفاع أسعار المشتقات مقارنة بالسندات النقدية، كما يصنع دورا طبيعيا لصناديق التحوط والوسطاء في المراجحة بين السوقين. وباتخاذ الجانب الآخر للمراكز في المشتقات لدى شركات إدارة الأصول والتحوط باستخدام أدوات الخزانة النقدية، تساعد جهات الوساطة هذه على اتساق الأسعار عبر الأسواق والإبقاء على فروق العائد بسيطة في الأوقات العادية.
من يحوز المخاطر؟
يمكن فهم هشاشة سوق سندات الخزانة الأمريكية من خلال التمييز بين من يتحمل مخاطر أسعار الفائدة ومن لديه الميزانية العمومية القادرة على المراجحة بين أدوات الخزانة النقدية والمشتقات، مثل العقود المستقبلية. وفي ظل الهيكل الحالي للسوق، تعتبر شركات إدارة الأصول هي الحائز النهائي لمخاطر المدة غير المغطاة. وبالتالي فإن تفضيلاتها وقيودها تحدد علاوة المخاطر المطلوبة لحيازة أدوات الخزانة طويلة الأجل، والمعروفة باسم "علاوة الأجل".
ولصناديق التحوط والوسطاء لحسابهم ولحساب الغير دور مختلف. فهم عادة لا يسعون إلى الانكشاف لمخاطر تحركات أسعار الفائدة الخام وتميل إلى البقاء محايدة تجاه المدة تقريبا. وهي تقوم بدلا من ذلك بربط سوقي التداول الفوري والمشتقات عبر مراكز المراجحة المغطاة. والمثال الأبرز هو التداول على فرق السعرين الفوري والمستقبلي لسندات الخزانة، حيث يقوم أحد صناديق التحوط بشراء أدوات الخزانة النقدية، وبيع العقود المستقبلية لأدوات الخزانة، وتمويل الجانب النقدي من عملية الشراء من سوق عمليات إعادة الشراء.
ونظرا لأن الفرق في السعر بين السندات النقدية والعقود المستقبلية بسيط، فإن الربحية تعتمد بشكل أساسي على القدرة على الاقتراض بقوة لتمويل المركز، حسبما ورد أيضا.
ولهذا الهيكل نتيجتان مهمتان. أولا، نظرا لارتفاع مستويات الرفع المالي، فإن صناديق التحوط تكون عرضة لصدمات تؤثر في قدرتها على الاستمرار في المعاملة. ويعتمد ذلك على عدة عوامل هي رأس المال، وأوضاع التمويل، ومتطلبات الهامش، والقدرة على تحمل المخاطر.
والتغيرات في أي من هذه العوامل قد تقودها إلى تقليص مراكزها الاستثمارية بشكل حاد. ثانيا، تؤدي محدودية قدرة الميزانيات العمومية للوسطاء إلى الحد من قدرتهم على استيعاب التدفقات الكبيرة أثناء فترات الضغوط. فعندما تقوم صناديق التحوط بتصفية مراكزها الاستثمارية بسرعة، لا يستطيع الوسطاء التدخل إلا بشكل محدود. والمهم أن القيام بذلك يزاحم قدرتهم على القيام بوظائف أساسية أخرى – وتحديدا، صناع السوق في أدوات الخزانة أو الوساطة في سوق عمليات إعادة الشراء (الريبو).
ويبدو هذا النظام مستقرا في الأوقات العادية، ولكنه عرضة لنوبات مفاجئة من الخلل. ومن هذه الضغوط اضطرار صناديق التحوط إلى التصفية السريعة لمراكز التداول على فرق السعر. ويتسبب ذلك في البيع البخس لأدوات الخزانة النقدية، والاندفاع نحو تغطية المراكز المكشوفة للمشتقات، ما يتسبب في تباين الأسعار بين السندات النقدية والمشتقات.
وبينما يكافح الوسطاء الذين يواجهون قيودا من أجل استيعاب التدفقات الكبيرة الناتجة عن عمليات البيع البخس، تتسع الفروق بين أسعار الشراء والبيع، وتتبخر السيولة، وتتدهور أوضاع التمويل في سوق عمليات إعادة الشراء.
أستاذ كرسي الخدمة المتميزة في ستيفنز في الاقتصاد والتمويل في كلية بوث لإدارة الأعمال ـ جامعة شيكاغو.
أستاذ في مويس صافرا في الاقتصاد ـ جامعة هارفارد.
