في أوقات الأزمات، تتجلى حقيقة الأوطان، وتظهر معادن الشعوب، ويصبح التماسك الوطني أكثر من مجرد قيمة معنوية؛ إنه قوة استراتيجية تحمي الدولة، وتصون مكتسباتها، وتعزز قدرتها على تجاوز التحديات مهما بلغت خطورتها.
والسعودية، بما تمتلكه من تاريخ عريق وإيمان راسخ وتلاحم بين قيادتها وشعبها، تقدم نموذجًا في الثبات أمام المحن، والقدرة على مواجهة التهديدات، واستعادة الثقة بالمستقبل مهما تعددت محاولات النيل من أمنها واستقرارها
إن استهداف المنشآت المدنية والمواطنين والمعتمرين، وتعريض حياة الأبرياء للخطر في سياق حرب غير مشروعة، يمثل اعتداءً على القيم الإنسانية ومبادئ حماية المدنيين، وانتهاكًا للمبادئ التي يقوم عليها الأمن والسلام. فحين تمتد الهجمات إلى مرافق مدنية أو أماكن يرتادها الناس طلبًا للأمان، أو تمس أشخاصًا قدموا إلى المملكة لأداء مناسك العمرة في أجواء من الطمأنينة، فإن الأمر يتجاوز الخلافات السياسية والعسكرية إلى اختبار حقيقي لمدى احترام الحياة الإنسانية وحرمة الأبرياء.
ولا يمكن تبرير استهداف المدنيين أو ترويع الآمنين بأي ذريعة، كما لا يجوز أن تتحول الحروب إلى غطاء للاعتداء على من لا علاقة لهم بالصراع. فحماية المدنيين واجب أخلاقي وإنساني، والتزام قانوني تفرضه قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية السكان والمنشآت المدنية.
الوحدة الوطنية.. خط الدفاع الأول في مواجهة مثل هذه التحديات، تبرز الوحدة الوطنية بوصفها أحد أهم مصادر قوة المملكة. فتماسك المجتمع ليس شعارًا يُرفع عند الأزمات فحسب، بل هو رصيد متراكم من الثقة والانتماء والمسؤولية المشتركة، يتجدد كلما واجه الوطن خطرًا أو تعرضت سلامته للتهديد. وتزداد أهمية هذه الوحدة حين تتعرض المنشآت المدنية أو حياة المواطنين والمقيمين والزوار للخطر؛ إذ يصبح الالتفاف حول القيادة، والثقة بمؤسسات الدولة، والالتزام بالتوجيهات الرسمية، والوعي بخطورة الشائعات والمعلومات المضللة، عناصر أساسية في حماية المجتمع وتعزيز قدرته على الصمود.
إن المواطن الواعي لا يكتفي بمشاعر الغضب أو القلق أمام الأحداث، بل يحول مشاعره إلى سلوك مسؤول؛ فيستقي معلوماته من مصادرها الرسمية، ويتجنب تداول الأخبار غير الموثوقة، ويحافظ على سلامة الآخرين، ويدعم جهود الجهات المختصة، ويدرك أن أمن الوطن مسؤولية مشتركة لا تنفصل فيها المصلحة الفردية عن المصلحة العامة. كما أن الوحدة الوطنية لا تعني تجاهل المخاطر أو التقليل من آثارها، وإنما تعني مواجهتها بعقلانية وثبات، والاعتراف بالتحديات مع الثقة بقدرة الدولة ومؤسساتها على التعامل.
لم تكن السعودية بمنأى عن التحديات عبر تاريخها. فمنذ مراحل التأسيس وتوحيد البلاد، واجهت ظروفًا سياسية وأمنية واقتصادية معقدة، واستطاعت، بفضل الله، ثم بعزيمة قيادتها وتماسك مجتمعها، أن تبني دولة راسخة، وأن تنتقل من ظروف صعبة إلى مرحلة متقدمة من التنمية والاستقرار والتأثير الإقليمي والدولي. وقد أثبت التاريخ أن قوة المملكة لا تقوم على الموارد والإمكانات وحدها، بل تستند كذلك إلى إيمان شعبها، وعمق هويته الوطنية، وتمسكه بقيمه الإسلامية، وقدرته على تجاوز الخلافات حين تتعلق المسألة بأمن الوطن ومستقبله.
ومن هنا، فإن استحضار التجارب التاريخية ليس دعوة إلى الاطمئنان المفرط، ولا افتراضًا بأن التحديات ستزول من تلقاء نفسها، بل هو تذكير بأن الأوطان التي تتوافر لها القيادة المسؤولة، والمؤسسات الفاعلة، والمجتمعات المتماسكة، تمتلك مقومات حقيقية لتجاوز الأزمات وتحويلها إلى فرص لمراجعة الأولويات وتعزيز الجاهزية.
وإذا كانت المؤامرات والتهديدات قد تعددت في مراحل مختلفة من تاريخ المملكة، فإن الدرس الأهم هو أن بقاء الدولة وتقدمها يرتبطان، بعد توفيق الله، بوحدة صفها، وحكمة قراراتها، وكفاءة مؤسساتها، ووعي أبنائها. وهذه العناصر هي التي تمنح المجتمع القدرة على مواجهة محاولات زعزعة الاستقرار، مهما تغيرت أشكالها وأساليبها.إن إعادة بناء الثقة وتعزيزها في أوقات التهديد تتطلب خطابًا وطنيًا مسؤولًا يجمع بين الطمأنينة والواقعية. فلا ينبغي أن تقود الأحداث المؤلمة إلى اليأس أو التشكيك في قدرة الدولة، كما لا ينبغي أن تدفع الثقة بالوطن إلى تجاهل المخاطر أو الاستهانة بها.
الثقة الحقيقية تنبع من معرفة أن السعودية تمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية ومدنية، وخبرات متراكمة في إدارة الأزمات، وقدرات اقتصادية وتنموية، ومجتمعًا يستطيع التكاتف عندما تشتد الظروف.
وتتأكد هذه الثقة كلما ظهرت الشفافية في المعلومات، والسرعة في التعامل مع الأحداث، والاهتمام بسلامة المتضررين، واستمرار الخدمات الأساسية. كما أن حماية الوطن لا تقتصر على التصدي المباشر للاعتداءات، بل تشمل المحافظة على تماسك المجتمع، واستمرار التنمية، وحماية الاقتصاد وعد الإنتاج وزيادته، ودعم الفئات المتضررة، وترسيخ الوعي لدى الأجيال الجديدة بأن الأمن نعمة تستوجب الشكر والعمل والمحافظة عليها.
كاتب اقتصادي
